مقالات

بالقرآن نعلم العربية (3)

نصرالدين إدريس جوهر

 

من التوجيهات القرآنية التي يمكن استثمارها في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى ما ورد بين كلمات الآية 22 من سورة الروم حيث قال تبارك وتعالى "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ". وهو تأكيد واضح الصياغة بأن اختلاف الألسنة أو اللغات بين الناس آية من آيات الله تعالى لا تقل في عظمتها عن خلق السماوات واختلاف الألوان بين أبناء الأرض.  

جاءت هذه الآية من حيث المعنى تأكيدا وتوضيحا لما جاءت به الآية 13 من سورة الحجرات التي وقفنا عليها في المقالين السابقين والتي أشارت إلى جعل الناس مختلفي الشعوب والقبائل. إن عبارة "واختلاف ألسنتكم" هي أوضح في هذا السياق من الإشارة القرآنية التي وقفنا عليها في الآية السابقة وهي "شعوبا وقبائلا" وإن كان خلق الناس مختلفي الشعوب والقبائل يعنى خلقهم مختلفي الألسنة واللغات.

والتوجيه اللغوي الذي يختفي بين سطور هذه الآية هو أن بين اللغات اختلافا سواء كان على المستوى اللغوي أم على المستوى الثقافي. فمن الناحية اللغوية تختلف اللغات على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي، ومن الناحية الثقافية تختلف اللغات في طريقة التعبير عن الأفكار تبعا للقيم والعادات التي يعيشها أبناؤها.

وعلى ضوء الاختلاف اللغوي نجد أن الأصوات العربية تختلف كثيرا عن أصوات لغات متعلميها الأجانب. فعلى سبيل المثال لا الحصر تختلف الأصوات العربية مثل الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والثاء، والعين، والغين، والقاف، عن أصوات عموم اللغات اختلافا كبيرا ليس فقط من حيث المخارج ولكن أيضا من حيث الصفات.

وعليه نجد أن الكلمات العربية تختلف اختلافا كبيرا عن كلمات اللغات الأخرى. فمن حيث تغير الأشكال مثلا تختلف أفعال العربية وأسماؤها عن عموم اللغات بأن أشكال أفعالها تتغير على أوزان معينة يحمل كل وزن منها معنى خاصا، وأن أشكال أسمائها تتغير إلى أشكال المثنى والجمع على قواعد معينة فيها مراعاة التذكير والتأنيث وغيرهما.

كما نجد أن التراكيب العربية تختلف اختلافا كبيرا عن تراكيب اللغات الأخرى. ومن ذلك أن عموم الجمل العربية تتكون على التركيب الفعلي وهو أن تبدأ الجملة بالفعل بدلا من الاسم كما عمّ في معظم اللغات. ومنه أيضا أن الجمل العربية تتكون من الأفعال والأسماء التي تربط بينها علاقة التذكير والتأنيث كما يتضح من هاتين الجملتين: "الطالب النشيط يراجع دروسه" و"الطالبة النشيطة تراجع دروسها".  

أما الاختلاف الثقافي فعلى ضوئه نجد أن اللغة العربية تختلف عن معظم اللغات في التعبيرات المستخدمة في المواقف الاجتماعية المعينة بحيث أنها تعكس القيم الإسلامية التي تسلتهم من القرآن الكريم والحديث الشريف. فعلى سبيل المثال التعبيير عن الشكر بالعبارة "جزاك الله خيرا"، وعن التهنئة بعبارة "بارك الله فيك" خير ما يدل على أن الثقافة التي تعبر بها اللغة العربية عن المواقف والمناسبات هي الثقافة الإسلامية حيث تتخذ فيها لغة التمنيات والتبريكات صياغة الدعاء.

وهذه الاختلافات القائمة بين اللغة العربية وغيرها من اللغات توحي بتوجيه تعليمي لكل من المتعلمين والمعلمين. فبالنسبة للمتعلمين فهي تعني أن تعلم اللغة العربية هو عملية انتقال من العادات اللغوية التي يعتادون عليها في ثقافتهم إلى العادات اللغوية الجديدة المختلفة وهي استعمال اللغة العربية بجميع خصائصها على الشكل الذي يعتاد عليه أبناؤها.  

أما بالنسبة للمعلمين فتعني أن تعليم اللغة العربية لمتعلميها الأجانب يجب أن يسير على مبدأ التكوين وهو أن يركز على تعويدهم على استعمال اللغة العربية كما يستعملها أهلها لا على افتراضاتهم المتأثرة في أغلب الأحيان بلغتهم الأم وبما يعتادون عليه في بيئتهم اللغوية والثقافية. 

وتتم هذه العملية التكوينية اللغوية من خلال تدريب المتعلمين بشكل مستمر على استعمال اللغة العربية بصورة سليمة لغويا وثقافيا مع التركيز على ما تختلف فيه عن لغتهم الأم من أصوات وكلمات وتراكيب حتى يتعادوا على استعمالها بشكل سليم وعفوي من دون مشقة.

ويقاس نجاح هذه العملية التكوينية بأن يتمكن المتعلمون من استعمال اللغة العربية على جميع مستوياتها وفي مختلف المواقف الاتصالية على الأنماط التي يعتاد عليها أبناؤها أو على أنماط تقترب منها على الأقل.   

وتطبيق هذه العملية التكوينية في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى ليس بالأمر السهل لأنها قد تتعرض لكثير من المشاكل التعليمية لعل من أخطرها المشكلات النفسية. وهي التي تتمثل في أغلب الأحيان في فقدان الدافعية وسلبية الاتجاهات نتيجة ما يعرض له المتعلمون من صعوبة الموضوعات وغرابة المواقف.

عندما يجد المتعلمون أن معظم ما درسوا من العربية من قواعدها وتطبيقاتها يختلف كثيرا عما يعتادون عليه في لغتهم فإنهم سيشعرون بأن تعلمهم إياها لن يكون سهلا، وفي مثل هذه الحالة قد يفقدون دافعيتهم وينظرون إلى اللغة العربية وتعلمها نظرة سلبية.  والقانون التعليمي يؤكد أنه إذا أصيب المتعلم بفقدان الدافعية وسلبية الاتجاهات انغلق أمامه كل أبواب التعلم.

وأمام هذه المشكلة النفسية يلعب المعلم دورا في غاية الأهمية حيث إن بإمكانه أن يوظف عدة إستراتيجيات لتذليلها. منها أن يقنع المتعلمين بأن الاختلاف بين اللغة العربية ولغتهم أمر حتمي لا بد منه وهو آية من آيات الله تعالى فلا داعي للخوف منه، ولا مبرر للنظر إليه نظرة سلبية تفقدهم دافعية التعلم؛ لأن الله قد وهب كل إنسان ملكة فطرية وُلد بها تمكنه من إجادة أي لغة أجنبية حتى أغرب اللغات وأكثرها اختلافا عن لغته الأم.

ومنها أن يقدم الكلمات والعبارات والجمل التي تعد موضع الاختلاف بين العربية ولغة المتعلمين في إطار مواقف معينة مثل: الشكر، والتحيات، والتبريكات، والمجاملة، وغيرها من المواقف، وأن يقدم الكلمات والعبارات داخل كل موقف بشكل تقابلي أي أن يوضع معها مقابلها في لغة المتعلمين من دون أي بيان صرفي أو نحوي أو دلالي.  ثم يوضح هذا التقديم الثنائي اللغة بالأمثلة الحية التي يمكن ويسهل استعمالها في المواقف الاتصالية الواقعية في حياة المتعلمين.

إن مثل هذه الإستراتيجيات التعليمية تفيد المتعلمين من جانبين: فهي تبين لهم أن ما تختلف فيه العربية عن لغتهم هو شيء بسيط غير معقد وسهل التناول من جانب، وأنه واقعي وقابل للتطبيق من جانب آخر. وهو ما سيترك آثارا نفسية إيجابية عندهم لعل أهمها الشعور بأن تعلمهم اللغة العربية سهل ونتيجته المتوقعة مفيدة وواقعية.

 

Share

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

 

حكمة / Hikmah

زوار / Pengunjung