مقالات

فن التصحيح التوجيهي للأخطاء الكلامية

نصر الدين إدريس جوهر

 

عملية التكلم باللغة العربية أثناء تعلمها ليست عملية لغوية فقط، إنما هي أيضا عملية نفسية. فإذا تكلم طالب أجنبي باللغة العربية في حجرة الدراسة أمام معلمه وزملائه مثلا فذلك لا يعني أنه قد تمكن من إصغاء أفكاره في أصوات العربية وكلماتها وتراكيبها فحسب، وإنما يعني أيضا أنه قد تمكن من تجاوز حواجز نفسية تعوق كل عملية الكلام مثل الخوف والتردد والقلق وغيرها من المعوقات النفسية. كم من متعلم للعربية أجاد العربية وألم بفنونها لكنه استسلم أمام هذه المعوقات فلم يشارك في الممارسة اللغوية الصفية مما يؤدي إلى تدني مستواه الاتصالي الشفهي.  

هذه المشكلات النفسية قد تؤدي بمتعلمي اللغة العربية إلى ارتكاب أخطاء في كلامهم يمكن وصفها بأنها "أخطاء سطحية" وليست "أخطاء تحتية"، وهي الأخطاء التى تحدث بسبب تعرض المتعلم للمواقف النفسية أثناء التكلم مثل التردد والاستعجال وعدم التركيز، لا بسبب عدم معرفته لقيود القواعد العربية.

ودور المعلم هنا أن يحسن المعاملة مع هذه الأخطاء، ومن ذلك أن يصححها تصحيحا توجيهيا يثير به انتباه الطالب ليدرك الأخطاء التي تقع في كلامه ويوفر له ما يساعده على تصحيحها بنفسه مع تقدير جهوده الكلامية وعدم التقليل من رغبته التعلمية. وفي المقابل ينبغي ألا يصحح المعلم تلك الأخطاء تصحيحا مقاطعا مليما يؤخذ به المتعلم ويقلل من جهوده الكلامية ورغبته التعلمية.

ومن أشكال التصحيح التوجيهي أن يذر المعلم الطالب الذي يرتكب خطأ لغويا في كلامه بدون مقاطعة حتى يكمل كلامه. ثم بعد أن ينتهي من كلامه يعيد المعلم الجملة التي قالها مع تصحيح ما فيها من خطأ ليدرك من خلالها الطالب خطأه ويستفيد منها كيف يصححه.

وفيما يلي مواقف صفية وردت في دروس مهارة الكلام يمارس فيها المعلم التصحيح التوجيهي لأخطاء الطالب الكلامية:

المعلم: تكلم عن مهنة والدك.

الطالب: سبق أن يعمل والدي في وزارة التعليم.

(ثم قال المعلم للطلاب "قال أخوكم إن والده سبق أن عمل في وزارة التعليم").

المعلم: كم سنة عمل والدك في الوزارة؟

الطلب: ثلاثة سنوات.

(ثم قال المعلم: قال إن والده عمل في الوزارة ثلاث سنوات).

ومن الجدير بالتنبيه هنا أن ينطق المعلم الكلمة التي أخطأ فيها الطالب بصوت فيه نوع من التركيز والتأكيد والنبر البارز تصاحبه حركات أو إيماءات تثير انتباه الطالب لما فيه من التصحيح.    

ومن التصحيح التوجيهي أيضا أن يقترح المعلم على الطالب الذي يرتكب خطأ لغويا في كلامه ما يصحح به الخطأ من أسئلة استفسارية توجيهية، كما يتضح من الموقف التالي:

المعلم: لماذا تتعلم اللغة العربية؟

الطالب: لأنها أجمل اللغات في الدنيا.       

المعلم: هل تريد أن تقول "لأنها أجمل اللغات في العالم؟".

الطالب: نعم.

المعلم: الآن قل ما تقصد مرة أخرى.

الطالب: لأنها أجمل اللغات في العالم.

(ثم واصل المعلم) 

المعلم: كم سنة تعلمت اللغة العربية؟

الطلب: تعلمت اللغة العربية ثلاثة سنوات.

المعلم: هل تريد أن تقول تعلمت اللغة العربية ثلاث سنوات؟

الطالب: نعم.

المعلم: إذن، الآن قل ما تقصد مرة أخرى.

الطالب: تعلمت اللغة العربية ثلاث سنوات.

ويجدر التنبيه هنا أن يطرح المعلم هذه الأسئلة التصحيحية التوجيهية (خاصة ما فيها من التصحيح) بنطق فيه نوع من التركيز والتأكيد تصاحبه حركات أو إيماءات تثير انتباه الطالب لما يصحح أخطاءه.   

ومن التصحيح التوجيهي أيضا أن يناقش المعلم أخطاء الطالب مع زملائه عن طريق طرح الجملة التي أخطأ فيها ويطلب من أحدهم أن يكررها مع ما يلزم تصحيحه كما في الموقف الآتي:

المعلم: ماذا ستفعل بعد تخرجك من هذه المدرسة.

الطالب 1: أريد أن أستمر دراستي في جامعة الأزهر بالقاهرة.

المعلم: (مشيرا إلى طالب آخر) كرِّرْ ما قال.

الطالب 2: هو يريد أن يواصل دراسته في جامعة الأزهر بالقاهرة.

المعلم: نعم، هو يريد أن يواصل دراسته في جامعة الأزهر بالقاهرة.

ومن الجدير بالتنبيه هنا أن الطالب الثاني الذي كلفه المعلم بأن يكرر جملة الطالب الأول مع تصحيح ما فيه من الأخطاء هو من يعتقد المعلم أنه يعرف الخطأ وكيف يصححه. والمعلم عندما يكرر الجملة المصححة يكررها بنوع من التأكيد من خلال النبر والحركات والإيماءات المشيرة إلى ما وقع من التصحيح.

هذه الأساليب التصحيحة التوجيهية الثلاثة تمثل عملية تعليمية إيجابية تساعد الطلاب على تنمية مهارتهم الكلامية عن طريق تذليل المشكلة النفسية التي تصاحب أخطاءهم الكلامية وتوفير ما يصححونها به من خلال السياق التعليمي الاتصالي والتفاعل اللغوي الطبيعي. وهذا التصحيح التوجيهي إن حسن تطبيقه سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى جو تعليمي تعلمي مشوق يتعلم من خلاله الطلاب اللغة العربية بصورة أفضل.  

 

 

 

 

 

 

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung