مقالات

مبدأ التكوين في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها-

د. نصرالدين إدريس جوهر

 

 تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها رغم ما استوعب من التطورات المنهجية فإنه يجب أن يحافظ على ما يطلق عليه "مبدأ التكوين"، وهو أن يركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على تكوين عادات لغوية جديدة عند الدارسين وفقا للخصائص اللغوية والثقافية للغة العربية. والوصف بـ"جديدة" هنا يعني أن العادات اللغوية المراد تكوينها هي ما تختص به اللغة العربية ويختلف عما يعتاد عليه الدارسون في لغتهم.

وتعد عملية تكوين العادات اللغوية من أهم مبادئ تعليم اللغة العربية لغة أجنبية.  لأن اللغة العربية –مثل غيرها من اللغات الأجنبية- تختلف على كثير من المستويات عن لغة دارسيها الأجانب. فالدارس الأجنبي أيا كانت جنسيته عندما  يتعلم اللغة العربية يجد أصواتًا تختلف عن أصوات لغته، وقواعد تخالف قواعد لغته، وتعبيرات ليس لها مقابل في لغته، بل يجد فيها منطقًا لغويًّا لم يتعوّد عليه في لغته. فتصبح اللغة العربية في مثل هذه الحالة جديدة عليه  مما يعني أنه يجب أن يتعلم هذه الجوانب الجديدة من اللغة العربية حتى يتعود عليها. وهنا يمكن أن يلعب المعلم دوره في مساعدته على تذليل مشكلة  التفاوت بين اللغتين، ومن هنا تأتي أهمية التعليم على أساس التكوين اللغوي.

هذا المبدأ التكويني يجب أن يدركه جيدا كل من معلم اللغة العربية ودارسيها ليسعوا إلى العناية بها في مهامهم التعليمية التعلمية. وفي ضوء هذا المبدأ أصبح تعليم العربية للناطقين بغيرها بالنسبة إلى المعلم يركز على تدريب الدارسين على استعمال اللغة الجديدة المختلفة عن لغتهم صوتيا وصرفيا ونحويا وتركيبيا ودلاليا. وبالنسبة إلى الدارسين أصبح يتمثل في الانتقال من العادات اللغوية التي يعتادون عليها في ثقافتهم إلى العادات اللغوية الجديدة المختلفة وهي استعمال اللغة العربية بجميع خصائصها.

وتعليم اللغة العربية على المبدأ التكويني ليس بالأمر البسيط ولا بالسهل لكونه عملية متعددة الأبعاد وهي البعد التعليمي واللغوي والنفسي والثقافي. أما بعدها التعليمي فيتمثل في كونها عملية تعليمية يجب أن تسير على أهداف معينة، ومن خلال مواد تعليمية معينة، وعلى طرائق وإستراتيجيات معينة، وتقاس نتيجتها بمعايير معينة. كل هذه العناصر التعليمية يجب أن يتم اختيارها وتحديدها وتنظيمها لتحقيق هدف مشترك وهو تزويد الدارسين بخصائص اللغة العربية وتدريبهم على استعمالها في مختلف أنواع الاتصال بصورة سليمة خالية قدر الإمكان من تأثير لغتهم الأم.

 أما بعدها اللغوي فيتمثل في كونها عملية تركز على اكتشاف جوانب الاختلاف بين اللغة العربية ولغة الدارسين على جميع المستويات. وجوه الاختلاف بين اللغتين هي من أهم ما يمنع الدارسين من إجادة اللغة العربية؛ لأنها تفتح بابا للغتهم الأم أن تدخل أثناء ممارستهم اللغة العربية مما يجعل أداءهم في اللغة العربية غير سليم. لذلك يجب تزويد الدارسين بخصائص اللغة العربية وتدريبهم على ممارستها بشيء من التركيز.  

أما بعدها النفسي فيتعلق بكونها عملية تعمل على تغيير السلوك اللغوي الذي يعتاد عليه الدارسون إلى ما هو جديد عليهم. اللغة سلوك على حد قول علماء اللغة السلوكيين وعليه فتعليم اللغة العربية يعني تعويد  الدارسين على استخدام اللغة لتكون سلوكا لغويا يعتادون عليه في حياتهم الاتصالية. وعملية تكوين السلوك اللغوي هذه تتطلب ما يكفي من التعرض اللغوي صفيا وغير صفي كما تحتاج إلى التعويد المكثف والممارسة المستمرة.

وأما بعدها الثقافي فيتمثل في كونها عملية تهتم بتدريب الدارسين على الاتصال باللغة العربية كما يتصل بها الناطقون بها في بيئتهم وثقافتهم. اللغة ثقافة على حد قول علماء اللغة الاجتماعيين أي أن التفاهم اللغوي لن يتحقق بين المتاواصلين باللغة إلا إذا ألموا بالثقافة التي تنتمي إليها اللغة. وعلى هذا الأساس يعني تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تمكين الدارسين من الاتصال باللغة العربية كما يتصل بها أهلها وأبناؤها في بيئتها الأصلية.

وتحقيقا لهذا المبدأ التكويني يحتاج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها إلى عناصر تعليمية قوية ولعل أهمها المعلم المؤهل تعليميا ولغويا وثقافيا. والمعلم على هذا المستوى إما أن يكون من الناطقين بالعربية الذين لديهم ما يكفي من الإلمام بخصائص لغة الدارسين وثقافتهم، وإما من الناطقين بغير العربية الذين يتمتعون بمستوى عال من إجادة اللغة العربية من الناحيتين اللغوية والثقافية على حد سواء. ويشترط في نجاح هذه المهمة أن يكون المعلم قادرا على إجراء التحليل التقابلي الدقيق بين اللغة العربية ولغة الدارسين لكشف ما بينهما من التشابه والاختلاف. ثم يقوم بمعالجة تعليمية تركز على جوانب الاختلاف بين اللغتين ويدرب الدارسين على ما تختص به اللغة العربية حتى يتمكنوا من ممارستها اتصاليا رغم اختلافها عن العادات اللغوية التي يعتادون عليها في لغتهم.

إلى جانب ذلك فإن التعليم التكويني يحتاج إلى المواد التعليمية التي يتم إعدادها بناء على مراعاة الاحتياجات اللغوية والثقافية للدارسين. وهي المواد التي توفر لهم ما يمكنهم من استخدام اللغة العربية بصورة سليمة كما يستخدمها أهلها من جانب، وما يساعدهم على التخلص من التدخل والتأثير السلبي  للغتهم الأم في أدائهم اللغة العربية من جانب آخر.  والمواد التعليمية المطلوبة بهذه المواصفات يمكن إعدادها على أساس نتائج التحليل التقابلي بين اللغة العربية ولغة الدارسين أو نتائج تحليل الأخطاء اللغوية التي يرتكبها الدارسون عند استخدامهم اللغة العربية. بعبارة أخرى فإن المواد المطلوبة هنا هي التي تعلم الدارسين من العربية ما يختلف عن لغتهم وعما يعتادونه فيها وتصحّح أخطاءهم اللغوية وفقا لخصائص اللغة العربية. 

والعملية التكوينية في تعليم العربية لغة أجنبية تحتاج أيضا إلى ما يكفي من التعرض اللغوي في الصف وخارجه؛ لأن هذه العملية عملية تكوين السلوك لن تتحقق إلا في بيئة يتكثف فيها التطبيق والممارسة والأداء. وتعد مثل هذه البيئة التعليمية عاملا في غاية الأهمية في عملية التعليم التكويني يتوقف عليه نجاح العاملين السابق ذكرهما. فالمعلم رغم ما قد يتمتع به من التأهيل التعليمي واللغوي والثقافي لن يذوق فعالية التعليم إذا وجد نفسه في جو تعليمي جاف خال من التعرض اللغوي. كذلك المواد التعليمية فإنه رغم ما تحويه  من الخبرات اللغوية والثقافية الغنية فإنها لن تحدث تعليما فعالا وناجحا إذا لم يتم تقديمها في جوّ تعليمي تتكثف فيه الممارسة اللغوية.

 

Share

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

 

حكمة / Hikmah

زوار / Pengunjung