مقالات

إشكال التمثيل في تعليم النحو العربي للناطقين بغير العربية

د. نصرالدين إدريس جوهر

 

النحو بكونه نظاما يحكم به الاتصال اللغوي يعد عنصرا رئيسيا من عناصر اللغة العربية. وعليه فتعليمه ضروري لمتعلمي اللغة العربية خاصة من الناطقين بغيرها؛ لأن إجادتهم للغة العربية ومهارتهم فيها استقبالية كانت أم إنتاجية تتوقف على مدى إلمامهم بنحوها وأدائهم في تطبيقه اتصاليا.

لكن تعليم النحو في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يتعرض لمشاكل كثيرة تؤدي في أغلب الأحيان إلى شيوع الانطباع لدى المتعلمين بأنه معقد وصعب للغاية. هذا الانطباع له ما يبرره إلى حد ما نظرا لأن النحو عبارة عن النظام اللغوي الذي يتعلق بالقواعد، والضوابط، والمستثنيات، والصحة، والخطأ، والشذوذ، وغيرها من القيود التي من الطبيعي أن يشعر المتعلم بالصعوبة في تعلمها والإلمام بها.  

ولكن الانطباع بصعوبة النحو العربي وتعقيده لا ينتج فقط من كونه نظاما وإنما أيضا من سوء طريقة تعليمه في حجرات الدراسة، فمن الملاحظ أن المعلمين كثيرا ما يقدمون دروس النحو بطريقة لا تسهل فهمه وتطبيقه وإنما تزيده صعوبة وتعقيدا. ومن ذلك أنهم يقدمون الموضوعات النحوية من خلال أمثلة غير فعالة في توضيحها وتفهيمها أو أمثلة غير صادقة لا تحقق ما وضعت لأجله، كما جاء في السطور الآتية:

  1. توضيحا لقاعدة أن التاء المربوطة أهم ما يميز بين الاسم المذكر والمؤنث قد يقدم المعلم الأمثلة التالية:

-  المذكر: المسجد، البيت، القلم.

-  المؤنث: المدرسة، السبورة، السيارة.

هذا المثال بدون أدنى شك لا يخالف القاعدة التي وضع لتوضيحها، لكنه لم يوضح بالتركيز  الفكرة التي يريد المعلم تفهيمها وهي التمييز بين المذكر والمؤنث. رغم أنه قد جمع أسماء خالية من التاء المربوطة في مجموعة المذكر وأسماء فيها التاء المربوطة في مجموعة المؤنث ولكنه لم يرسل إلى ذهن المتعلم الفرق بين المذكر والمؤنث. المثال يوضح فقط ما هو المؤنث وما هو المذكر ولم يوضح كيف يختلف المذكر من المؤنث، والسبب في ذلك أن الأسماء الواردة في المثال متنوعة ولا تحتوي على "فكرة التاء المربوطة" فقط وإنما تحتوي على متغيرات كثيرة تشتت انتباه المتعلم وتمنعه من التركيز على النقطة المقصودة وهي التاء المربوطة. ويتضح تلاشي الفكرة في المثال السابق إذا قورن بالمثال الآتي:

-  المذكر: الطالب، الأستاذ، المعلم.

-  المؤنث: الطالبة، الأستاذة، المعلمة.

هذا المثال يتكون من كلمات متساوية المبنى والمعنى ولا فرق بينها إلا وجود التاء المربوطة الدالة على التأنيث في المجموعة الثانية. وهو بهذا التركيز يقود انتباه المتعلم إلى نقطة الفرق الوحيدة بين هذه الأسماء وهي التاء المربوطة فيدرك من خلالها أنها تميز بين المذكر والمؤنث. وهو بذلك يتصف بالصدق إذ إنه يركز على ما وضع لأجله وهو توضيح أن التاء المربوطة هي نقطة التمييز بين المذكر والمؤنث، كما أنه يمكن وصفه بالفعالية لأنه يمكن أن يفهّم المتعلم الموضوع دون كثير شرح من المعلم، فهو بعبارة أخرى مثال يوضح نفسه.

  1. توضيحا للفرق بين الجملة الاسمية والفعلية قد يقدم المعلم المثال الآتي:

-  الجملة الفعلية: ضرب زيد محمدا.

-   الجملة الاسمية: هند ذهبت إلى السوق.

أو بهذا المثال:

-  الجملة الاسمية: زيد ضرب محمدا.

-  الجملة الفعلية: ضرب زيد محمدا.

هذان المثالان لا يخالفان شيئا مما تحدده القاعدة بأن الجملة الفعلية ببساطة هي التي تبدأ بفعل والجملة الاسمية هي التي تبدأ باسم. ولكن بعين ناقدة يمكن انتقادهما من جوانب أخرى.

أما المثال الأول فيمكن وصفه بأنه غير دقيق تعليميا لأنه لا يراعي مبدأ "السهل قبل الصعب"، فمن المعروف أن التركيب الاسمي أكثر شيوعا لدى الناطقين بغير العربية من التركيب الفعلي، مما يعني أن جمل اللغة العربية الاسمية بالنسبة إليهم أسهل من جملها الفعلية التي هي من خصائصها. فلذلك ينبغي أن يركز تدريب المتعلم على تحويل التركيب الاسمي إلى التركيب الفعلي أي تدريبهم على تحويل التركيب الذي يشبه ما في لغتهم الأم (وهو سهل عليهم) إلى الآخر الذي يختلف عنه (وهو صعب عليهم) وذلك ليتم نقل الخبرة اللغوية من المألوف السهل إلى الغريب أو الجديد الصعب.

 من جانب آخر يمكن انتقاد المثال الأول بأنه لا يتمتع بدرجة عالية من الصدق لأنه يوضح الفرق بين التركيبين ولم يقدم ما يساعد على إدراك كيف يتحول أحدهما إلى الآخر. ويتضح ذلك من خلال مقارنته بالمثال التالي:

-          الجملة الاسمية:  محمد كتب رسالة.

-          الجملة الفعلية:  كتب محمد رسالة.

يتضح من هاتين الجملتين بناء كل من التركيب الاسمي والفعلي من جانب وكيف يتحول التركيب الاسمي إلى الفعلي من جانب آخر. ويمكن إدراك ذلك بسهولة لأن الجملتين لا تختلفان إلا في ترتيب كلماتهما.

 أما المثال الثاني فيُنتقد على عدم اتصافه بالاتصالية لاستخدامه اللغة التي لا تستوعب بيئة اتصالية للمتعلم وأخذها من كتاب النحو الذي لم يكن إعداده للتعليم. تعليم النحو هو تعليم استخدامه اتصاليا فيجب أن تتم معالجته من خلال الأمثلة الحية الواقعية. وعليه فيستحسن أن تستمد فكرة الجمل وكلماتها من بيئة المتعلم لكي يسهل عليه فهمها وتطبيقها اتصاليا.

 والمثال ينتقد أيضا على عدم الشمول لأنه يقدم وجها فقط من وجوه تغيير الأفعال عند تحويل الجملة الاسمية إلى الفعلية. إنه لم يقدم كيفية تغيير الأفعال في التركيب الاسمي مثل "ضربا، وضربتا، وضربوا، وضربن، ويضربان، ويضربون، ويضربن"، عندما يتحول إلى الآخر الفعلي، كما في المثال الآتي:

الجملة الاسمية

الجملة الفعلية

  • الطالبان ذهبا

ذهب الطالبان

  • الطالبتان ذهبتا

ذهبت الطالبتان

  • الطلاب ذهبوا

ذهب الطلاب

  • الطالبات ذهبن

ذهبت الطالبات

  • الطالبان يذهبان

يذهب الطالبان

  • الطالبتان تذهبان

تذهب الطالبتان

  • الطالبات يذهبن

تذهب الطالبات

  • الطلاب يذهبون

يذهب الطلاب

 3.    توضيحا لعمل أدوات النصب قد يقدم المعلم مثل هذا المثال:

-            أنْ يَذهبَ

-            لَنْ يَذهبَ

-            كَيْ يَذهبَ

-            حَتَّى يَذهبَ

هذا المثال يفتقر إلى الدقة كما يفتقر إلى الشمول. إنه غير دقيق لأنه يقدم عمل أدوات النصب ولم يقدم كيف تعمل. إنه يفاجئ المتعلم بنتيجة عمل هذه الأدوات وهي نصب الأفعال بفتحة ظاهرة على أواخرها ولكنه لم يوضح له كيف تجعل الأدوات تلك الأفعال منصوبة. أما كونه غير شامل فلأنه يقدم علامة واحدة فقط من علامات نصب الأفعال التي دخلت عليها أدوات النصب. ويتضح قصور هذا المثال من مقارنته مع المثال الآتي:

يذهبُ

أنْ يَذهبَ

يذهبُوْنَ

لَنْ يَذهبُوا

 

تذْهَبِيْنَ

كَيْ تذْهَبِي

 تذهَبَانِ

حَتَّى تذهَبَا

 هذا المثال يقدم بوضوح كيف تعمل أدوات النصب من ناحية وكيف تنصب الفعل المضارع عند دخول هذه الأدوات عليه من ناحية أخرى. أما كيف تعمل الأدوات فوضّحه هذا المثال بوضع الأفعال على حالتها قبل دخول الأدوات وبعد دخولها ليتضح كيف يعمل هذا العامل. أما كيف تنصب الفعل المضارع عند دخول الأدوات فوضحه المثال بوضع الأفعال على أشكالها الصرفية المختلفة ليتضح كيف تنصب الأفعال على أشكالها المختلفة.

يتضح من الملاحظات السابقة أن التمثيل في تعليم النحو ليس بالأمر البسيط ولا السهل. إنه أمر معقد ومتعدد الأبعاد بحيث إنه لا يتعلق بتقديم الجملة التي تناسب القاعدة وتوضحها من الناحية اللغوية فقط، وإنما يتعلق أيضا بتقديمها مع مراعاة عدة جوانب وهي الجانب التعليمي، والنفسي، والاتصالي، والثقافي. لذلك فليهتم المعلمون بهذا الأمر وليغيروا اتجاههم التعليمي ليكون تعليم النحو للناطقين بغير العربية فعالا في مساعدتهم ليس فقط على الإلمام بخصائص النحو العربي وإنما أيضا على استخدامه الفعلي في عملية الاتصال الواقعي.

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung