مقالات

القلق في تعليم اللغة العربية لغة أجنبية.. أسبابه وعلاجه

نصرالدين إدريس جوهر

(الجامعة الإسلامية الحكومية سونن أنبيل بسورابايا إندونيسيا)

 

القلق ببساطة يشير إلى حالة نفسية تتمثل في شعور غير سار  يرتبط عادة بعدم الارتياح والخوف والتردد، نتيجة توقع الأخطار القادمة أو الأحداث أو الأوضاع السلبية في المستقبل. ويعتبر القلق رد فعل نفسي طبيعي للضغط وهو قد يحرم شخصا من إحسان التعامل مع الأوضاع الصعبة أحيانا، وقد يساعده على السيطرة عليها أحيانا أخرى.

ويعد القلق من العوامل النفسية المؤثرة على نجاح عملية تعلم اللغة العربية لغة أجنبية، شأن تعلم غيرها من اللغات الأجنبية. عندما يتوجس متعلم العربية في نفسه قلقا يجد نفسه تحت الضغط فلا يستطيع أن يستمتع بما يمر به في تعلمها فيصبح غير مشوق له وغير مريح، الأمر الذي يجعل إجادتها  قد تبدو له بعيدة المنال. وفي المقابل عندما يتحرر المتعلم من القلق ويحرر نفسه من كثير من الحواجز النفسية يجد عملية تعلم العربية مريحة وممتعة، الأمر الذي يمكنه من إجادتها بسهولة إلى حد كبير.

أسباب القلق

القلق في تعلم اللغة العربية يمكن أن يصيب المتعلمين قبل الدراسة، وأثناءها، وبعدها. ويرتبط هذا القلق بعدة مشاعر  أبرزها الخوف. أما القلق قبل الدراسة فيرتبط بالخوف من الفشل. هذا الخوف عام يعم المتعلمين في جميع مجالات العلم إذ إن الرغبة في النجاح من طبيعة الإنسان، إلا أن الانطباع السلبي الشائع بأن العربية لغة صعبة يزيد هذا الخوف ويجعله يصيب نسبة كبيرة من متعلمي اللغة العربية الناطقين بغيرها. كم من متعلم يتردد بسبب هذا الخوف قبل أن يقرر التخصص في اللغة العربية، بل يتنازل ويستسلم أمام السؤال "هل بإمكاني إجادة هذه اللغة التي تبدو  بهذه الدرجة من الصعوبة؟".

أما القلق أثناء الدراسة فيرتبط عادة بشعور غير سار يصيب المتعلمين عندما يجدون أنفسهم قد أنفقوا لأجل تعلمها فترة طويلة من الزمن ومبلغا كبيرا من المال ولم يتمكنوا من إجادتها بشكل ملحوظ يرضون عنه. هذا أحيانا قد يمنعهم من مواصلة التعلم، وقد يشجعهم على تحسينه وتطويره لأجل نتيجة أفضل أحيانا أخرى. وقد يصيب المتعلم هذا الشعور نتيجة ما لا يسره ويريحه من المواقف التعليمية، مثل المواقف السلبية نحو أخطائه اللغوية كالتصحيح المبالغ فيه لأخطائه اللغوية من قبل المعلم أو سخرية زملائه المتعلمين منها، مما يجعله يخاف خوفا شديدا من ارتكاب الأخطاء اللغوية لدرجة يمتنع فيها من ممارسة ما تعلمه من الكلمات والتراكيب والتعبيرات.

أما القلق المرتبط بما بعد الدراسة فيتعلق عادة بالخشية على فرصة العمل أو المهنة التي يمكن أن يشغلها متعلمو اللغة العربية. وذلك لأن فرص العمل المتاحة للمتخصصين في اللغة العربية لا تتوفر  كثيرا  بالمقارنة مع فرص المتخصصين في مجالات أخرى. وهو ما يخشاه كثير  من متعلمي العربية ويتأثرون به نفسيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدني تحصيلهم التعليمي.

معالجة القلق

هذه الأنواع الثلاثة من القلق السالف ذكرها تتراكم في ذهن المتعلم وتزعجه أثناء التعلم، مما يعني أن فترة التعلم تعد وقتا مناسبا لإدارة القلق ليتغلب المتعلم على ما يخاف منه قبل التعلم وأثناءه وبعده. وهنا يلعب المعلم دورا في غاية الأهمية لكونه صاحب الخبرة الذي سبق أن تغلب على هذه المشاعر المؤدية إلى القلق، وبإمكانه أن يساعد المتعلمين على إزالة ما يقلقون منه وإدارته بطريقة تحوله إلى طاقة إيجابية تساعدهم على التعلم الناجح وذلك عن طريق استغلال ما لديه من الفضل الخبري والمعرفي والمهني.

أما القلق الذي يتعرض له المتعلم قبل الدراسة الناتج من الانطباع بأن العربية لغة صعبة فيمكن أن يذلّـلــه المعلم بشكل غير  مباشر من خلال إستيراتيجيات التعليم الميسرة.  ومنها أن يقدم المعلم مواد اللغة العربية بطريقة مبسطة توحي بأنها سهلة التناول والاستخدام مثل التعليم الاتصالي والتفاعلي، ويتجنب إظهار "الوجوه الصعبة" من العربية مثل التركيز المبالغ فيه على التلقين الممل والشرح النظري للقواعد النحوية. ومنها أن يوفر للمتعلمين ما يساعدهم على التعلم السهل والسريع مثل النشاطات التعليمية المشوقة التي تتيح للمتعلمين ما يكفي من فرص الممارسة والتطبيق وتوفر لهم جوا تعلّميا مريحا لاكتساب اللغة. ومنها أيضا أن يقدم لهم ما يوحي لهم بأن العربية لغة سهلة مثل فيديوهات عن الذين يتعلمون اللغة العربية ويتكلمون بها من أبناء اللغات التي بينها وبين العربية اختلاف كبير  وفرق شاسع مثل اليابانيين والكوريين والصينيين.

أما القلق الذي يتعرض له المتعلم أثناء الدراسة فيمكن معالجته بعدة طرائق. أما القلق الناتج من الشعور غير السار  عن حصيلة التعلم فيمكن تذليله من خلال الموازنة بين تزويد المتعلمين بالمعرفة اللغوية وتدريبهم على الأداء اللغوي. مما يعني أن المعلم يجب أن يجمع دوما التعليم النظري والتطبيقي ويسارع إلى تدريب الطلاب على التطبيق المهاري كلما انتهوا من المواد النظرية ولا يترك فجوة زمانية بينهما، فكلما كانت الفجوة الزمانية بينهما كبيرة كان القلق لدى المعلم قويا.

وأما القلق الناتج من المواقف التعليمية السلبية فيمكن أن يتغلب عليه المعلم بأسلوبين أولهما تكوين موقف تعليمي إيجابي في نفسه نحو أي محاولة من المتعلمين لممارسة اللغة. ومن ذلك أن يتجنب كثرة المقاطعة والتصحيح الدقيق المتكرر لأخطائهم اللغوية. المعلم المسامح غير المتشدد يكون أقدر على توفير الجو التعليمي الفعال من المعلم المتشدد غير المسامح،  وثانيهما تكوين المواقف الإيجابية بين المتعلمين نحو ممارسة اللغة بما فيها الأخطاء والاستعمالات غير المناسبة. وعليه يجب أن يُحترم من يحاول ممارسة اللغة ولا يُضحك أو يُسخر منه عندما يرتكب خطأ. كم من متعلم انعدمت ثقته التعلمية بسبب تعرضه للسخرية والإهانة من زملائه حين يحاول ممارسة اللغة.   

وأما القلق المتعلق بما بعد الدراسة الناتج عن خشية متعلمي العربية على مستقبلهم المهني فيمكن أن يعالجه المعلم من خلال التوعية والتشجيعات. ومن ذلك التوعية بأن تعلم اللغة العربية ليس كتعلم غيرها من اللغات، فأول إنجاز  يفتخر به متعلم العربية هو إنجاز ديني حيث إن إجادته العربية تساعده على فهم دينه وتحسّن معاملته مع مصادره. وهذا الإنجاز  ينفرد به متعلمو العربية ولا تقاس قيمته بأي إنجازات تعليمية أخرى. ومنها توعية المتعلمين بأن العربية بكونها لغة عالمية توفر لهم أنواعا مغرية من مجالات العمل مثل التعليم، والترجمة، والتحقيق، والدبلوماسية، والسياحة، والصحافة، وغيرها من المجالات. مما يعني أن ما ينبغي أن يخشى عليه المتعلمون هو مستواهم اللغوي وليس مستقبلهم المهني. فكلما كان مستواهم اللغوي عاليا كان مستقبلهم المهني مضمونا ومرموقا، والعكس صحيح.

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung