مقالات

أحقًّا أن العربية لغة صعبة؟

د. نصرالدين إدريس جوهر

 

ثمة انطباع يصعب إنكار وجوده بل شيوعه لدى متعلمي اللغة العربية الناطقين بلغات أخرى، هو أن اللغة العربية لغة صعبة ومعقدة وأن تعلمها وإجادتها في غاية الصعوبة. ويتولد من ذلك إيحاء بأن تعلم اللغة العربية عملية لا ينجح فيها طالب إلا بشق الأنفس وأنها تنتهي في أغلب الأحيان بنتيجة غير مرضية. كم من متعلم ما ألم من العربية إلا بنسبة قليلة من أصواتها وصرفها ونحوها وتراكيبها ولا يجيد من مهاراتها إلا قدرا لا يسمن ولا يغني من جوع مع أنه قد أنفق على تعلمها سنوات طويلة لو أنفقها على تعلم لغات غيرها لكفته لإجادتها إجادة مرضية.

السؤال المطروح هنا من أين جاء هذا الانطباع وكيف شاع؟ هل العربية بطبيعتها لغة معقدة ومن ثم تعلمها صعب؟ أم إنها لغة سهلة وقابلة للتعلم ولكن هناك عوامل تجعلها تبدو معقدة وتجعل تعلمها يتصف بالصعوبة؟

ليست هناك لغة يمكن أن يُقال إنها صعبة أو سهلة بطبيعتها. اللغة وليد مجتمعها واتفاق أبنائها الذين يفكرون بها ويتفاهمون بها. فما من طفل وُلد إلا ومعه استعداد فطري لاكتساب لغة بيئته. واللغة بكونها إنتاجا بشريا لا تنحصر قابليتها للاكتساب والتعلم في أبنائها فقط، وإنما يمكن تعلمها أيضا خارج بيئتها ولغير أبنائها من الناطقين بلغات أخرى.

إذن، فإن الانطباع السالف ذكره لا يصدر من طبيعة اللغة العربية بحد ذاتها وإنما ينتج من طريقة المعاملة معها عند تعليمها وتعلمها، وكيف يكون ذلك؟  إن تعليم اللغة العربية للأجانب هو في الحقيقة عملية تعرّفهم عليها فإن نجحت تركت فيهم انطباعا إيجابيا وإن فشلت قادتهم إلى انطباع سلبي عنها.

ثمة في تعليم اللغة العربية لغة أجنبية عدة اتجاهات تعليمية أو إستراتيجيات تعليمية قد تعرّف الأجانب على العربية بطريقة صعبة ومن ثم تكوّن عندهم انطباعا سلبيا عنها. ولعل من أهمها التقيد بالاتجاه النحوي، وهو أن ينحصر تعليم العربية وتعلمها في تزويد المتعلمين بالقواعد النحوية من خلال عملية التلقين والحفظ.

الاهتمام بالجانب النحوي في تعليم اللغة وتعلمها ليس اتجاها خاطئا إذ إن اللغة نظام والنحو نظام بدون أدنى شك، لكن المشكلة هي التركيز البالغ عليه واتخاذه هدفا نهائيا من تعليم اللغة وتعلمها. النحو لا يربو على كونه فرعا من فروع اللغة يحتاج إليه المتعلم في بناء كفاياته اللغوية وهو في ذلك يحتاج إلى غيره مثل الأصوات والكلمات وغيرها من فنون اللغة لتحقيق الإجادة الكاملة للغة. والمستوى اللغوي لمتعلمي اللغة العربية الأجانب خير ما يؤكد ذلك، حيث إن إلمامهم بقواعد اللغة العربية لا يضمن إجادتهم إياها. كم من متعلم مر بجميع مراحل النحو وأنفق عليه سنوات طويلة من التعلم وجد نفسه ضعيفا في إجادة اللغة العربية.

هذا الاتجاه النحوي يتمثل عموما في أيدي المعلمين بقاعات الدراسة من خلال توظيف ما يعرف بطريقة النحو والترجمة، وهي التعليم المركز على   تزويد المتعلم بالقواعد النحوية العربية وترجمة النصوص العربية إلى لغته. وتحقيقا لذلك يستمد التعليم من كتب النحو أو الكتب التعليمية التي تم إعدادها لمعالجة القواعد النحوية. والمتعلم في ذلك لا يلعب إلا دور المستمع والمسجل والحافظ دون أن يتاح له ما يكفي من الفرص ليمارس ما تعلم في الاستخدام اللغوي.

إن تعليم اللغة العربية وتعلمها بهذه الطريقة يكوّن إيحاء بالصعوبة في ذهن المتعلم؛ لأنها تعرفه عليها من خلال أصعب أبوابها وهو النحو. النحو يشكل أصعب عناصر اللغة لكونه معياريا يدور بين الصواب والخطأ، فإذا تعرض له المتعلم بكمية أكثر مما ينبغي وبطريقة لا تترك له إلا دور المستمع والمردّد والمسجل والحافظ تكوّن في ذهنه دون أدنى شك انطباع بأن العربية لغة صعبة.

وبناءً على ما تقدم بيانه فلينتبه كل من يُعنى بتعليم اللغة العربية لغةً أجنبية إلى هذا الجانب النفسي. إن الانطباع السلبي عن العربية يشكل حاجزا نفسيا يمنع من إجادتها وإن الانطباع الإيجابي عنها يشكل حافزا يساعد على إجادتها. فليسعَ كل معلم إلى تعليمها بطريقة توحي بأنها سهلة وليتجنب تعليمها بأسلوب يوحي بأنها صعبة.

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung