مقالات

اكتساب الأطفال لغتهم الأولى:

كيف الاستفادة منه في تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها؟

الدكتور نصرالدين إدريس جوهر

( جامعة سونن أنبيل الإسلامية الحكومية إندونيسيا )

 

       إن اكتساب الطفل لغته الأولى من عجائب الظواهر اللغوية لدى الإنسان. يبدأ الطفل حياته اللغوية من نقطة الصفر حيث لا ينطق حرفا إلا صراخا يعلن به ولادته. ولكن بعد مرور أشهر تنمو لغته بطريقة عجيبة وسريعة حيث يبدأ ينطق أصواتا، ثم يكرر كلمات، ثم يكوّن جملا، ثم يتكلم لغة.

       تنمو لغة الأطفال بسرعة لدرجة قد تستغربها الأمهات والأشخاص حولهم. تتعجب الأم عادة عندما تسمع طفلها ينطق الكلمات التي يسمعها من كلامها ويرددها كثيرا بطريقة قد تكون مضحكة. بل كثيرا ما تستغرب الأم عندما تسمع طفلها ينطق ويردد كلمات لم تقلها له ولم يسمعها منها ولا من أبيه ولا من أعضاء الأسرة الآخرين. نعم، إن الطفل لا يتعلم لغته من أبويه فقط، وإنما يتعلمها أيضا من أشخاص خارج البيت، أو من الوسائل المتوفرة في البيئة المحيطة به.

       وهناك عدة عوامل تلعب دورا لا يمكن تجاهله في اكتساب الطفل لغته الأولى ولعل أهمها العوامل النفسية والاجتماعية  والإستراتيجية. أما العوامل النفسية فتتمثل في الاستعداد الفطري الذي ولد به الطفل ويمكنه من اكتساب أي لغة نشأ فيها، وفي الدافعية التي هي قوة نفسية غير عادية تدفع الطفل لتعلم اللغة بحماسة استثنائية، وفي الاتجاهات التي هي استعداد عقلي وعصبي يوجه الطفل إلى اتخاذ الموقف الإيجابي نحو اللغة التي يتعلمها، وفي المشاعر الإيجابية التي تحرر الطفل مما يمنعه من تعلم اللغة مثل الحياء من الكلام والخوف من الخطأ.

        أما العوامل الاجتماعية فتتمثل في العلاقة الحميمة بين الطفل وأبويه وزملائه التي توفر جوا مناسبا لاكتساب اللغة. وكذلك العلاقة بين الأطفال أنفسهم هي علاقة ممتعة يتمتعون بها ويتفاعلون من خلالها مما يسهل لهم اكتساب لغتهم الأولى. كما تتمثل في كمية التعرض اللغوي الكبيرة التي يعيشها الطفل عندما يلعب ويتعامل مع مجتمعه والتي توفر له فرصة كافية لاكتساب لغته الأولى.

       أما العوامل الإستراتيجية فتتمثل في الأساليب التي يستخدمها الطفل في الاستفادة من لغة بيئته ويسجلها في ذخيرته اللغوية.  ومن أهم الأساليب في ذلك المحاكاة وهي أن ينطق الطفل ويردد ما يسمعه من البيئة المحيطة به من الأصوات والكلمات والجمل.  ومنها أيضا الممارسة وهي أن يكرر الطفل ما يستريح له من تلك الأصوات والكلمات والجمل حسب المواقف اللغوية التي يجد نفسه فيها.

        بفضل هذه العوامل الثلاثة يتمكن الأطفال بدون استثناء – أينما ولدو وفي أي بيئة لغوية نشؤوا- من اكتساب لغتهم الأولى بنجاح، إذا لم  يعانوا من مشكلات في أجهزة النطق ولم يتعرضوا لاضطرابات كلامية.

        والسؤال المطروح هنا هل يمكن تطبيق هذه الإستراتيجيات في تعلم اللغات الأجنبية؟ وهل يمكن توفير العوامل التي تساعد الأطفال على تعلم لغتهم الأولى في تعلم اللغة الأجنبية لتساعد متعلميها على تحقيق ما يحققه هؤلاء الأطفال من إنجازات لغوية؟

        إن ما يتمتع به الأطفال في اكتساب لغتهم الأولى من خصائص نفسية وما يسيرون عليه في ذلك من إستراتيجيات لا يمكن توفيره وتطبيقه في عملية تعلم اللغات الأجنبية بشكل طبيعي كميا ونوعيا.  ذلك لأن إجادة اللغة الأولى تتم من خلال الاكتساب في حين تتم إجادة اللغة الأجنبية من خلال التعلم. وسيكولوجية الاكتساب وإستراتيجياته تختلف عن سيكولوجية التعلم وإستراتيجياته. الاكتساب يمثل عملية طبيعية تتخذ مكانها في بيئة اجتماعية طبيعية، في حين يشكل الثاني عملية مصطنعة تتخذ مكانها في بيئة مصطنعة غير طبيعية.

       ولكن مع ذلك فثمة جوانب من اكتساب اللغة الأولى يمكن توفيرها وتطبيقها في عملية تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها سواء كانت من الجوانب النفسية أم من الجوانب الإستراتيجية. وفي السطور التالية نقاط إجرائية توضح كيفية الاستفادة من خصائص اكتساب اللغة الأولى وإستراتيجياته في تعلم اللغة الأجنبية بالتطبيق على تعليم اللغة العربية وتعلمها كلغة أجنبية.

1.   من حيث الدافعية يمكن الاستفادة من اكتساب اللغة الأولى من خلال توجيه متعلمي اللغات الأجنبية إلى التعلم بالدافعية التكاملية وهي أن يتعلم اللغة ويجيدها ليعيشوا بها ويتفاهموا بها مع أبنائها والناطقين بها من غير أبنائها.

ويمكن تطبيق ذلك في تعليم العربية كلغة أجنبية بتوجيه المتعلمين إلى تعلم العربية وإجادتها لتكون لغة حياتهم لكونهم مسلمين، يحتاجون إليها بشكل لا يتقيد بزمان ومكان ويتفاهمون بها مع الناطقين بها من أبنائها ومن غير أبنائها.

 2.   من حيث الاتجاهات يمكن الاستفادة من خلال توجيه متعلمي اللغات الأجنبية إلى النظرة الإيجابية إلى تعلمها وتعليمها وإلى ثقافتها وإلى الناطقين بها.

ويمكن تطبيق ذلك في تعليم العربية كلغة أجنبية بتوجيه المتعلمين إلى النظرة الإيجابية نحو اللغة العربية وذلك عن طريق تأكيد أهميتها كلغة دينية وعلمية وعالمية، وعن طريق التوعية بأن تعلم العربية ليس كتعلم غيرها من اللغات إذ إن فيه بعدا دينيا لكونها لغة الإسلام وثقافته وحضارته.

 3.   من حيث الإستراتيجية يمكن الاستفادة من خلال المحاكاة بأن نقدم لمتعلمي اللغات الأجنبية ما يحاكونه من أصوات وكلمات وتراكيب، ثم نوفر لهم ما يساعدهم على تكرار  ما يحاكون وممارسته في سياق اتصال شبه طبيعي. ويمكن تطبيق ذلك في تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية بتقديم المواد اللغوية الطبيعية التي يحتاج إليها المتعلمون في الاتصال، وباتخاذ الجانب الاستقبالي من تلك المواد في المقدمة قبل الجانب الإنتاجي وذلك من خلال تدريبهم على الاستماع قبل الكلام والقراءة قبل الكتابة. ثم توفير الجو التعليمي التعلمي المريح الذي يمكن المتعلمين من ممارسة ما يتعلمون في سياقات الاتصال المختلفة.       

       إلى جانب ذلك هناك من إستراتيجيات الاكتساب اللغوي لدى الأطفال ما يمكن تطبيقه في تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها داخل قاعات الدراسة وخارجها على حد سواء. وهو  تعدد مصادر التعلم لدى الأطفال حيث يكتسبون لغتهم من مصادر كثيرة مثل البيئة البيتية، وبيئات خارج البيت، ووسائل الإعلام وغيرها من البيئة المحيطة بهم مما يجعل عملية الاكتساب اللغوي عندهم مكثفة وفعالة.

       ويمكن تطبيق ذلك بتوجيه المتعلمين وتدريبهم على تعلم اللغة من مصادر متعددة لا تنحصر في ما يقدّم داخل حجرة الدراسة فقط وإنما تستفيد أيضا مما يتوفر خارج حصص الدراسة. وتحقيقا لذلك يجب أن تكون المواد التعليمية مما يحث المتعلم على توسيع التعلم ذاتيا خارج الصف. وعلى المعلم أن تكييف العلاقة بين المتعلم وبيئته لتفيده في تنمية لغته كأن يشكل مجموعات لغوية يمارس فيها ما يتعلم في حجرة الدراسة مع زملائه. وعلى المعلم أيضا توفير الوسائل المساعدة التي يستفيد منها المتعلم في إغناء وتحسين لغته مثل المجلات والجرائد والتسجيلات الصوتية والأفلام وغيرها من الوسائل.

        كل هذه التسهيلات والوسائل –في حالة توفرها- سوف تمكن المتعلمين  من تعلم اللغة من مصادر متعددة تخلصهم من الاعتماد الكلي على ما يقدمه المعلم وما يجري داخل حجرة الدراسة. والمتعلمون –في حالة تطبيقهم هذه الإستراتيجية- سوف يتعلمون اللغة بصورة أكثر تكثيفا وفعالية ويذوقون الخبرات اللغوية بكمية أكبر  ونوعية أحسن.

  

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung