مقالات

الأسس الثقافية لبناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

د. نصرالدين إدريس جوهر

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية – إندونيسيا)

 

 

        العلاقة بين اللغة والثقافة غنية عن البيان. هي علاقة وطيدة تحرم فصل إحداهما عن الأخرى. فلا يبتعد من قال إن اللغة والثقافة وجهان لعملة واحدة.  ومن هذه العلاقة أن اللغة وعاء للثقافة وعنصر أساسي من عناصرها والوسيلة الأولى للتعبير عنها فلا يمكن للفرد أن يتحدث بلغة ما بمعزل عن ثقافتها. وكل هذا مما يبرر ضرورة مراعاة الجانب الثقافي في تعليم اللغات الأجنبية.

        وإذا كان هذا الأمر يصدق على اللغات الأجنبية وثقافاتها فهو أصدق ما يكون على اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية. فاللغة العربية دون غيرها من اللغات ترتبط بثقافة الناطقين بها بصفة خاصة، وبثقافة الناطقين بغيرها من الشعوب الإسلامية بصفة عامة ارتباطا عضويا يصعب معه أن يحدث الانفصال بينهما. وهذا يعنى أن منهج تعليم هذه اللغة للناطقين بغيرها ينبغى ألا يخلو من ملامح ثقافتها (وهي الثقافة الإسلامية) بل يستند إليها ويستمد منها محتواه ويجعل التعرف عليها من أهدافه الرئيسية.

        ستتناول السطور التالية الأسس الثقافية لمنهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وذلك من خلال النقاط الآتية:

  • مفهوم الثقافة الإسلامية
  • علاقة الثقافة الإسلامية بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
  • كيفية تقديم الثقافة الإسلامية في منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

1. مفهوم الثقافة الإسلامية

يشير مصطلح الثقافة الإسلامية إلى: "المعتقدات والمفاهيم والمبادئ والقيم وأنماط السلوك التي يقرها الدين الإسلامي متمثلا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن ثم فإنَّ هذه الثقافة تقتصر على المجتمعات الإسلامية بغض النظر عن المكان والزمان".

والثقافة الإسلامية- شأن غيرها من الثقافات- تتكون من عناصر المعتقدات والمفاهيم والمبادئ والقيم وأنماط السلوك. إلاَّ أنها تتميز عن تلك الثقافات كلها بالمصدر الذى تستمد منه عناصرها حيث إنها تُستمد من مصدر إلهي أنعم الله به على الإنسان  ومنحه إياه عقيدة له ودستورا ذلك هو القرآن الكريم،  والسنة النبوية الشريفة. وهي بذلك (كونها مستمدة من المصدر الإلهي) تمتازعلى غيرها من الثقافات بعدة أمور: قوة الأساس، وخلود المبدأ، وثبات العقيدة، واتساع النظرة، وشمول الجوانب، ووحدة الاتجاه، وتكامل الأبعاد، وسمو الغاية، واتزان الحركة، واعتدال الأحكام.

وللثقافة الإسلامية عدة مقومات تتلخص فيما يلي:   

أ‌.             إنَّ التراث الفكري لهذه الثقافة تراث خصب غني اتسعت آفاقه لثمار الثقافات الأخرى دون تعصب أو جمود.

ب‌.        إنَّ الثقافة الإسلامية تملك مقومات الأصالة في تصورها لجوانب الحياتين الدنيا والآخرة.

ت‌.   إنَّ اللغة الأساسية لهذه الثقافة هي العربية الفصحى التي أشبعت الحاجات على تنوعها ووفت بمتطلبات الدنيا وأركان العقيدة.

ث‌.   تمتاز الثقافة الإسلامية بأن الدىن مصدر القيم  فيها، وليس المجتمع أو الطبيعة أو الفرد أو غير ذلك من مصادر القيم، كما ترى الفلسفات المختلفة ويعتقد المفكرون الغربيون.

ج‌.    وتمتاز الثقافة الإسلامية بالشمول فهي تتناول حياة الإنسان في كل نواحيها ظاهرها وباطنها، وهي قادرة على العطاء في أي من جوانب الحياة.

2. علاقة الثقافة الإسلامية بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها:-

         إن العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والثقافة الإسلامية على المستوى الاجتماعي والثقافي لدى الناطقين بالعربية تؤدى بدورها إلى وجود علاقة مثلها لدى الناطقين بغيرها من الأجانب.  ذلك لأن اللغة العربية لا ترتبط بثقافتها الإسلامية داخل حدودها فقط وإنما أيضا خارجها. فتعليم اللغة العربية وتعلمها لدى الأجانب لا بد أن يراعي الجانب الثقافي لهذه اللغة، لأنه من العسير على دارس اللغة العربية من الأجانب أن يفهمها فهما دقيقا، أو أن يستخدمها استخداما دقيقا دون أن يفهم ما يرتبط بها من مفاهيم ثقافية معينة.

        وضرورة مراعاة الثقافة الإسلامية في منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لا تستند فقط إلى وجود علاقة وثيقة بينهما وإنما أيضا إلى خصائص متعلمي هذه اللغة أنفسهم، حيث إن من بينهم من ينتمون إلى الفئات التالية:

أ‌.   المسلمون من غير العرب الذين يتعلمون اللغة العربية لغرض إسلامي محض كي يتسنى لهم فهم القرآن الكريم والحديث الشريف، وحتى يتمكنوا في ضوء ذلك من ممارسة الحياة الإسلامية.

ب‌.  المسلمون من غير العرب القادمون لغرض متابعة دراستهم الجامعية في الجامعات العربية.

ت‌.  الراغبون في الاتصال بالبلاد العربية لوجود بعض المصالح المشتركة مثل الهيئات الدبلوماسية والعلاقات التجارية.

كما تستند إلى عدة حقائق أهمها ما يلي:

أ‌.   إن القدرة على التفاعل مع الناطقين باللغة لا تعتمد فقط على إتقان مهارات اللغة، بل تعتمد أيضا على فهم ثقافة أهل اللغة وعاداتها وآمالها وتطلعاتها.

ب‌. إن فهم ثقافة اللغة الأجنبية والتفاعل معها أمر مهم في حد ذاته، لأن التفاهم العالمي أصبح الآن من الأهداف الأساسية  للتعليم في أي بلد من بلدان العالم.

ت‌.  إن العادات الثقافية تشبه إلى حد كبير المهارات اللغوية، فالمتحدث باللغة يتصرف بشكل معين وبطريقة تلقائية.

ث‌. إن الكثير من الدراسات في ميدان تعليم اللغات الأجنبية تكاد تجمع على أنَّ الثقافة هي الهدف النهائي من أي مقرر لتعلم لغة أجنبية.

ج‌.    إن للدارسين أغراضا من تعلم اللغة والثقافة، ولأهل اللغة أغرض من تعليم لغتهم ونشر ثقافتهم.

3. كيفية تقديم الثقافة الإسلامية في منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها:

بعد أن تتضح علاقة الثقافة الإسلامية بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وبالتالي ضرورة مراعاتها في منهج تعليمها، فالسؤال المطروح هنا: كيف تُقدَّم الثقافة الإسلامية في منهج ومواد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؟.

من الباحثين من يرى أن ذلك يتم من خلال مواد المهارات اللغوية من قراءة، أو محادثة أو حوار، أوقواعد نحوية، أو نصوص أدبية، أو إملاء وخط، حيث إن الموضوعات والأمثلة فيها تٌستمد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، أو من سير الصالحين والعظماء، أو التاريخ الإسلامي، أوالأخلاق والسلوك الكريم، أو النصوص الأدبية الإسلامية، على ألا يؤدى ذلك إلى المبالغة والتكلف، وأن يتناسب مع مستوى المتعلم اللغوي والعقلي.

ومنهم من يرى أن ذلك يتم من خلال وضع المحتوى الثقافي للمادة الأساسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مع مراعاة الشروط والمبادئ التالية:

أ‌.             أن تعبر المادة عن محتوى الثقافة العربية الإسلامية.

ب‌.        أن تعطى المادة صورة صادقة وسليمة عن الحياة في الأقطار العربية.

ت‌.        أن تعكس المادة الاهتمامات الثقافية والفكرية للدارسين على اختلافهم.

ث‌.        أن تتنوع المادة بحيث تغطي ميادين ومجالات ثقافية وفكرية متعددة في إطار الثقافة العربية الإسلامية.

ج‌.          أن تتسق المادة ليس فقط مع أغراض الدارسين ولكن أيضا مع أهداف العرب من تعليم  لغتهم ونشرها.

ح‌.          ألاَّ تغفل المادة جوانب الحياة العامة والمشترك بين الثقافات.

خ‌.          أن يعكس المحتوى حياة الإنسان العربي المتحضر في إطار العصر الذى يعيش فيه.

د‌.            أن يثير المحتوى المتعلم ويدفعه إلى تعلم اللغة والاستمرار في هذا التعلم.

ذ‌.            أن تقدم المادة  المستوى الحسي من الثقافة ثم تتدرج نحو المستوى المعنوي.

ر‌.           أن توسع المادة خبرات الدارسين بأصحاب اللغة.

ز‌.           أن ترتبط المادة الثقافية بخبرات الدارسين  السابقة في ثقافاتهم.

س‌.       أن يقدم المحتوى الثقافي بالمستوى الذى يناسب عمر الدارسين ومستواهم التعليمي.

ش‌.       أن تقدم المادة تقويما وتصحيحا لما في عقول الكثيرين من أفكار خاطئة عن الثقافة العربية الإسلامية.

ص‌.     أن تتجنب إصدار أحكام متعصبة للثقافة العربية.

ض‌.     أن تتجنب إصدار أحكام ضد الثقافات الأخرى.

 

 

 

__________

المراجع

 

  • رشدي أحد طعيمة، الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، جامعة أم القرى، معهد اللغة العربية، مكة المكرمة، 1402هـ/1982م
  • عبد الحميد عبد الله وناصر عبد الله الغالي، أسس إعداد الكتب التعليمية لغير الناطقين بالعربية، دار الغالي، الرياض، 1991م
  • فتحى على يونس ومحمد عبد الرؤوف الشيخ، المرجع في تعليم اللغة العربية للأجانب: من النظرية إلى التطبيق، مكتبة وهبة، القاهرة، 1423هـ/2003م
  • محمود كامل الناقة ورشدي أحمد طعيمة، الكتاب الأساسي لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى: إعداده-تحليله-تقويمه، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1983م

 

Share

التعليقات   

 
0 # د. ضيين أحمد الشفيع 2014-01-30 18:16
ممنون لكم كثيراً ونتمنى أن نتواصل وتفيدونا بالجديد من البحوث والمؤتمرات العلميه للغة العربيةللناطقين بغيرها وكل مؤتمرات اللغة العربية على مستوى العالم .
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung