مقالات

الأسس النفسية لبناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

د. نصرالدين إدريس جوهر

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية – إندونيسيا)

 

 

        إن عملية تعليم اللغة العربية لغير أبنائها هي عملية متعددة الأبعاد فيجب أن يكون المنهج الذي تستند إليه وتسير عليه منهجا متعدد الأبعاد. ومن هذه الأبعاد البعد النفسي الذي له علاقة قوية جدا بمتعلمي هذا اللغة خاصة من الناطقين بلغات أخرى غير العربية. وسوف تحاول السطور التالية إلقاء الضوء على هذا البعد النفسي بهدف الوقوف على مفهومه وجوانبه وتطبيقاته في عملية تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية.    

يقصد بالأسس النفسية لبناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مجموعة من المفاهيم والحقائق والمبادئ المستقاة من نتائج دراسات علم النفس فيما يتصل بتعلم اللغة وتعليمها، مثل: العلاقة بين اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية، والدوافع، والاتجاهات، والعوامل الشخصية ودورها في تعلم اللعة الثانية.

        وتنضوي تحت هذه الأسس النفسية عدة جوانب، أهمها ما يلي:

1.    جانب إستراتيجية التعلم:

1-1. التقليد والمحاكاة:

يشكل التقليد والمحاكاة جانبين أساسيين من عملية اكتساب اللغة. فقد أثبتت الدراسات أن الأصوات التي ينطقها الطفل وهو يكتسب لغته الأولى والكلمات التي يرددها هي مما يسمعه حوله ويحاكيه بالطريقة التي يسمعها بها. والأمر نفسه يصدق على متعلم اللغة الثانية حيث إن المحاكاة والتقليد مما يساعده على تعلم اللغة. ولذلك لا بد أن يراعي بناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هذا الجانب خاصة في اختيار المحتوى وتنظيمه، واختيار طرائق التدريس. ومن ذلك أن يوفر المحتوى وطريقة التدريس المتبعة نماذج من الأداء اللغوي يمكن أن يقلدها ويحاكيها الطلاب، وأن يتبع المحتوى وطرائق تدريسه الترتيب الطبيعي لمهارات اللغة، وهو أن تكون مهارتي الاستماع والكلام سابقتين على مهارتي القراءة والكتابة. 

1-2. الممارسة والتكرار:

إلى جانب التقليد والمحكاة تمثل الممارسة والتكرار عاملين مهمين من العوامل التي تساعد على تثبيت التعلم. وفي مجال تعلم اللغة يتضح ذلك في أن الطفل في المراحل الأولى من تعلم لغته الأولى يكرر ما يسمعه مرات ومرات ويتناغى بما يحبه من أصوات وما يستريح له من كلمات. والأمر نفسه يصدق على متعلم اللغة الثانية حيث يستلزم إتقانه لها أن يكثر ممارسة وتكرار ما يتلقاه من خبرة لغوية جديدة. وعلى هذا الأساس ينبغي أن يراعي منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هذا الاستراتيجية التعلمية خاصة في تنظيم المحتوى واختيار طرق التدريس حيث أن تتوافر في كل ذلك فرص الممارسة والتكرار للمتعلم.

2.    جانب النفسية:-

2-1. الدوافع:

الدوافع (Motivations) هي القوة النفسية التي تدفع الفرد إلى فعل شيئ والسعي إلى تحقيق أهدافه وراء ذلك، وهي من العوامل النفسية الأكثر تأثيرا في عملية التعلم. وفي مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها يعتقد الخبراء أن الدافعية بكونها قوة نفسية دافعة  تلعب دورا بالغ الأهمية أثناء عملية التعليم والتعلم لدرجة أن يصدق أن أي طالب أجنبي لن يستطيع أن يتعلم اللغة العربية ما لم تكن لدىه الدوافع أو الرغبة في تعلمها، ذلك لأنَّ الدوافع هي التي تدفعه إلى بذل ما لدىه من طاقة عقلية  وجسمية من أجل إتقانها.

لقد ذهب الباحثون إلى أن هناك نوعين من الدوافع التى تستحث الأجانب على تعلم اللغة العربية، هما: الدوافع الوسيلية (Instrumental motivations) والدوافع التكاملية (Integrative motivations). إن الدوافع الوسيلية تدفع الأجانب إلى تعلم اللغة العربية من أجل قضاء حاجات قصيرة المدى، مثل الحصول على الوظيفة الشاغرة، أو التمتع بالسياحة، أو الاستجابة لمتطلبات مقرر دراسي معين أوالحصول على درجة علمية أو اكتساب المهارة للاتصال بالكتابة المعينة، أوالاستجابة لشعائر دينية يلزمهم أدائها بهذه اللغة. أما الدوافع التكاملية فهي التى تستحث الأجانب على تعلم اللغة العربية من أجل تحقيق أهداف أهمها: الاتصال بمتحدثي اللغة العربية وممارسة لغتهم وفهم ثقافتهم وتقاليدهم. وقد أشارت الدراسات إلى أن هؤلاء الذين تحركهم الدوافع التكاملية غالبا أقدر على النجاح من الذين تحركهم الدوافع الوسيلية.

وبما أن هذين النوعين من الدوافع جاءا من قبيل محاولة التصنيف لا التفضيل فينبغي ألا يراعي منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أحدهما دون آخر، وإنما يراعي كليهما ويقدم تلبية مناسبة لكل منهما. لأنه من الطبعي أن يتنوع ما يدفع الأجانب إلى تعلم اللغة العربية من الرغبات والأهداف، فمهمة منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هي حمل صاحب كل هذه الدوافع على تلبيتها بصورة مرضية.

وفي عملية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تتمثل مراعاة الدواع في تأكيد وجودها لدى الراغبين في تعلم اللغة العربية وبالتالي تقويتها إذا كانت ضعيفة وذلك عن طريق –على سبيل المثال لا الحصر- إفهامهم أن تعلم اللغة العربية سوف يساعدهم على تحسين مستواهم وأوضاعهم من خلال العمل في المجالات التي تطلب إجادة اللغة العربية.

2-2. الاتجاهات:

الجانب التالي من الجوانب النفسية التي ينبغي مراعاتها في بناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هو الاتجاهات. والاتجاهات (Attitudes) هي حالات استعداد عقلي وعصبي نُظِّمَت عن طريق التجارب الشخصية وتعمل على توجيه استجابة الفرد لكل الأشياء والمواقف التي تعلق بهذا الاستعداد.

والاتجاهات في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تتمثل في مواقف الطلاب الأجانب نحو اللغة العربية وتحدد استعدادهم العقلي والعصبي لتعلم هذه اللغة. وهذه الاتجاهات والمواقف قد تكون إيجابية ومن ثَمَّ تلعب دورا إيجابيا في تعليم اللغة العربية وتعلمها، وقد تكون سلبية ومن ثم تلعب في أغلب الأحيان دورا سلبيا في تعليم هذه اللغة وتعلمها.

الاتجاهات الإيجابية نحو اللغات الأجنبية غالبا ما تكون نتيجة للرغبة في إتمام عملية الاتصال عن طريق هذه اللغة. مما يعنى أن ثمة علاقة وطيدة بين الاتجاهات والدوافع في تعليم اللغات الأجنبية. وفي مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هذا يعنى أن رغبة الأجانب في اكتساب قدرة الاتصال باللغة العربية تؤدي بهم إلى امتلاك اتجاهات إيجابية حيال هذه اللغة، وتعلمها، وتعليمها.

وتنوعت الاتجاهات في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ويمكن ذكرها حسب موضوعاتها على النحو التالي:

1.     اتجاه الطالب نحو نفسه: ويقصد بذلك مدى ثقته في امكانات وقدرته على تعلم اللغة.

2.  اتجاه الطالب نحو تعلم اللغات الأجنبية بشكل عام: ويقصد بذلك أنه لا يقتصر في حياته على الاتصال بأبناء بلده ولغته فقط وإنما يحاول أن يتجاوز ذلك ليتعرف على المجتمعات الأخرى ويتعلم لغاتها. والفرد الذى يتمتع بمثل هذا الاتجاه يستطيع أن يتعلم اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية.

3.  اتجاه الطالب نحو اللغة العربية نفسها: لا يعنى بالضرورة أن الطالب الذى لدىه اتجاه إيجابي نحو تعلم اللغات الأجنبية يستطيع أن يتعلم اللغة العربية، فقد يكون لدىه رفض لتعلم اللغة العربية، أو بعبارة أخرى لدىه اتجاه سلبي نحو تعلمها. فالطالب الذى لدىه اتجاه إيجابي نحو اللغة العربية وتعلمها هو الذى يستطيع أن يتعلمها.

4.  اتجاه الطالب نحو الثقافة العربية: ويقصد بذلك موقف الطالب الأجنبي من الناطقين بالعربية، وقيمهم، وعاداتهم، وتاريخهم. والطالب الذي يحترم ويقدر الثقافة العربية يستطيع أن يتعلم اللغة العربية بشكل أسرع وأجود.  

5.  اتجاه المعلم نحو اللغة العربية وثقافتها: إنَّ اتجاه المعلم نحو اللغة التي يعلمها، وثقافتها، والناطقين بها، له تأثير كبير على تعليمه هذه اللغة. ومعنى ذلك أن المعلم الذى له موقف إيجابي من اللغة العربية، وثقافتها، والناطقين بها، يستطيع أن يعلم طلابه هذه اللغة بصورة فعالة.

3.    جانب الشخصية:-

3-1. الفروق الفردية:

إنَّه مما لا يختلف فيه اثنان أن بين الأفراد تفاوت في كل شيئ سواء كان يتعلق بالجانب النفسي أم الجانب المعرفي أم غيرهما. وتبرز الفروق الفردية جليا في عملية تعليم اللغة وتعلمها إذ إن تعليم اللغة وتعلمها يرتبط بكل جوانب الإنسان ومنها ما يختلف فيه فرد عن غيره. فلذلك لا بد من مراعاة الفروق الفردية عند بناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ليكون المنهج يخدم الأجانب الذين يتعلمونها بما في بينهم من فروق فردية.

وهناك عدة جوانب تبرز فيها الفروق الفردية بين متعلمي اللغة العربية من الأجانب، أهمها ما يلي:

السن- النوع (طالب/طالبة)- الخبرة السابقة باللغة العربية- التقارب بين لغة الطالب واللغة العربية- إجادة الطالب للغته الأولى-  العوامل الشخصية مثل: سعة الأفق، تقبل الآخرين، وضوح الأهداف- الاستعداد اللغوي- اتجاهات نحو اللغة العربية وثقافتها- دوافع لتعلم اللغة العربية- القدرة على التعلم- الأسلوب في التعلم- مستوى الذكاء- القدرة على تحمل المسؤولية- استعداده للعمل الجامعي- استعداده لتقبل تصويبات المعلم لأخطائه- الأسلوب في المذاكرة- الظروف الاجتماعية.

        وعند مواجهة مثل هذه الفروق الفردية هناك عدة استراتيجيات يمكن أن يطبقها معلمو اللغة العربية للناطين بغيرها، أهمها ما يلي:

1.    الإدراك إدراكا تماما بوجود الفروق الفردية بين الطلاب وفي أي جانب تبرز.

2.  التعرف على مدى الفروق الفردية الموجودة بين الطلاب قبل بداية عملية التعليم، ويتم ذلك عن طريق مجالستهم والحديث معهم، أو عن طريق أحد اختبارات الذكاء.

3.    تصميم خبرات تعليمية متنوعة يستطيع كل طالب استيعابها.

4.    استخدام عدد من الوسائل التعليمية المختلفة التي تواجه ما بين الطلاب من فروق في أسلوب التعلم.

5.    التوسط في شرح الأفكار حتى يفهمها جميع الطلاب.

6.    إعداد مجموعة متفاوتة المستوى من التدريبات اللغوية، بحيث يناسب كل منها فريقا من الطلاب.

7.    تنوع الواجبات المنزلية بحيث تقدم كل مجموعة من الطلاب ما يناسبها.

8.    إعطاء فرصة للطلا للاختيار من بين أسئلة الامتحانات على أن يكتسب كل منهم المهارة نفسها.

3-2. السن:-

يشكل السن أو العمر كما تقدم ذكره مما تبرز فيه الفروق  الفردية بين متعلمي اللغات الأجنبية، لأن اختلاف الأعمار بينهم يجعلهم ليسوا في درجة واحدة من القدرة على تعلم اللغة.

    والفروق الفردية لا تبرز بين الطلاب الذين تختلف أعمارهم فحسب وإنما تبرز كذلك بين الذين تقاربت أعمارهم. فقد أشارت الدراسات إلى أن تقارب أعمار المتعلمين لا يعنى تشابههم في القدرات مما يعنى أن فيما بين الصغار فروقا فردية وفيما بين الكبار توجد أيضا فروق فردية.

    والحديث عن السن في تعليم اللغات الأجنبية يتعلق أيضا بالوقت الذى يكون فيه المتعلم أكثر قدرة على اكتساب اللغة في سهولة وكفاءة. وقد اختلف العلماء في السن المناسبة لتعليم اللغات الأجنبية، فهناك من يرى أن تعليم اللغة يكون أكثر فعالية في سن مبكرة بحجة أن الاستعداد اللغوي عند الأطفال عادة ما يكون أكبر مما عند الكبار. وخلافا لهذا هناك من يرى أن تعلم اللغة يكون أكثر فعالية في سن متأخرة بحجة أن الكبار أقدر على تعلم اللغة من الصغار.

ويتضح مما تقدم ذكره أن أعمار الطلاب مما لا يمكن تجاهله في تعليم اللغات الأجنبية لما ينتج عنها من الفروق الفردية. فيجب مراعاة هذا الجانب عند بناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها إذ إن الأجانب الذين يرغبون في تعلم اللغة العربية ينتمون إلى فرق عمرية مختلفة تتطلب كل فرقة أسلوبا خاصا في إشباع حاجاتهم اللغوية. وكل ذلك ليكون المنهج  مناسبا للطلاب الذين وُضع لهم.

 

 

 

_______________

المراجع

  • رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه، منشورات المنظمة الإسلامية   للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو، الرباط، 1989م
  • نبيه إبراهيم إسماعيل، الأسس النفسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، مكتبة الأنجلو المصرية
  • محمود كامل الناقة ورشدي أحمد طعيمة، الكتاب الأساسي لتعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى: إعداده-تحليله-تقويمه، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1983
  • على محمد   القاسمي، اتجاهات حديثة في تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى، عمادة شؤون المكتبات جامعة الرياض، 1979
Share

التعليقات   

 
0 # فتح الباري 2014-06-27 09:36
شكرا لكم لهذه المقالة فتكون مصدرا لفهم العبية من حيث المنهج
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung