مقالات

الأسس اللغوية لبناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

د. نصرالدين إدريس جوهر

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية – إندونيسيا)

 

 

        إن من أبرز سمات منهج تعليم اللغة الأجنبية وأهم مواصفاته أنه يحتوي على المحتوى اللغوي، مما يعني أنه يتكون من المقررات اللغوية المراد تقديمها للمتعلمين وتزويدهم بها. والأمر نفسه مما  يجب أن يتسم به منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها إذ إن هدفه الأساسي هو تزويد المتعلمين الأجانب بما يساعدهم على إجادة اللغة العربية بشكل متكامل في كل جوانبها.  هذا يعني أن منهج تعليم اللغة العربية يجب أن يحتوي على كل جوانب هذه اللغة من مهاراتها وفروعها وفنونها.

        والجدير بالذكر هنا أن عملية تصميم المحتوى اللغوي للمنهج ليست عملية عشوائية يوجهها ذوق فردي، إنما هي عملية هادفة دقيقة تستند إلى أسس لغوية واضحة. وهي مجموعة من المفاهيم والمبادئ والحقائق المستقاة من نتائج الدراسات اللغوية التي ينبغى أن ينطلق منها ويستند إليها منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. وتحتوى الأسس اللغوية للمنهج على عدة موضوعات الدراسات اللغوية نظرية كانت أم تطبيقية، مثل: مفهوم اللغة، وظيفة اللغة، خصائص اللغة العربية، والتقابل اللغوي.

 

1.    مفهوم اللغة:

للغة تعريفات كثيرة إلاَّ أن ما يمكن وصفه أشمل بعدا وأكثر تمشيا مع الاتجاهات الحديثة لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هو تعريف اللغة بأنها "مجموعة من الرموز الصوتية التي يحكمها نظام معين والتي يتعارف أفراد مجتمع ذي ثقافة معينة على دلالاتها من أجل تحقيق الاتصال بعضهم ببعض".

وفي ضوء هذا التعريف يمكن الإشارة إلى مجموعة من حقائق اللغة وخصائصها التي يمكن أن يستند إليها بناء منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وهي:

أ‌.       اللغة ظاهرة إنسانية:

إنَّ اللغة مما ينفرد به الإنسان ويتميز به عن غيره من المخلوقات. إنها بعبارة أدق ظاهرة تخص الجنس البشري وتشكل أعظم ما تتجلي فيه مميزاته العقلية.

وتعد اللغة من الحاجات الأساسية للإنسان وتقوم بينهما علاقة تبادلية وثيقة تحرم فصل أحدهما من الآخر. فالإنسان بوصفه مخلوقا اجتماعيا يحتاج إلى اللغة كأداة للتعبير والاتصال، وفي نفس الوقت تحتاج اللغة إلى مجتمع بشري لتنشأ فيه وتتطور. وهذه العلاقة التبادلية  الوطيدة بين اللغة والمجتمع البشري قد أدت ببعض علماء اللغة إلى القول: إنَّه من الصعوبة تحديد أيهما الأسبق: اللغة أم المجتمع؟ شأن ذلك شأن تحديد الأسبق بين الدجاج والبيض.

ويمكن الاستناد إلى هذه الحقيقة اللغوية في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من خلال استغلال تلك العلاقة الوثيقة بين اللغة والإنسان، واستغلال ما يتمتع به الإنسان من الاستعدادات الطبيعية لاكتساب اللغة. فإذا كانت اللغة من الحاجات الأساسية للإنسان فكان تعليم اللغة العربية بمثابة إشباع إحدى حاجاته، وذلك من خلال توظيف ما يتمتع به من القدرات اللغوية، وهي: قدرته الموهوبة على تعلم أية لغة، وقدرته المكسوبة على تطوير هذه القدرات الموهوبة من خلال التعلم.

ب‌.         اللغة أصوات:

إنَّ اللغة في نشأتها الأولى تتمثل في الأصوات، أما الشكل الكتابي لها فما هو إلا تمثيل للغة المنطوقة. ويتضح ذلك خلال عملية اكتساب اللغة لدى الأطفال، حيث يلاحظ أن أول ما يكتسبه الطفل من البيئة المحيطة به هو الأصوات التي يحاكيها ويكررها. كما يتضح ذلك في تاريخ اللغات حيث إن عصر الكتابة لا يتعدى بضعة آلاف عام على حين يرجع الكلام إلى جذور المجتمع البشري وأنَّ أغلبية اللغات المنطوقة في العالم لم تدون بعد.  فهذا كله إن دلَّ على شيئ فإنه دليل على أنَّ الأصوات هي أساس اللغة، ولعلَّ هذا الذي قد دفع ابن جني إلى تعريف اللغة بأنها: "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم".

ويمكن الاستفادة من هذه الظاهرة الصوتية للغة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها خاصة في اختيار محتوى المنهج التعليمي وتنظيمه وتقديمه حيث ينبغى أن تهتم عملية التعليم في البداية بالجانب الصوتي، وذلك يتم من خلال  تقديم المهارتين الاستماع والكلام قبل القراءة والكتابة لشدة علاقتهما بالأصوات.

ت‌.   اللغة رموز:

يقصد بالرموز الإشارة، أي أن اللغة تشير وترمز إلى شيئ معين ذي دلالة محددة يتفق عليها مستخدمو اللغة. وقد يختلف الرمز عن الصوت، فإذا كان الصوت قد لا يكون له معني كان الرمز له معنى ومدلول على أن يكون مفهوما ومتفقا عليه لدى مستخدميه.

والأشياء التي تشير إليها الرموز قد تكون محسوسة وقد تكون مجردة، كما قد تكون هذه الأشياء نسبية بمعنى أن الرموز قد تكون متشابهة في اللغات والمجتمعات ولكنها تدل على أشياء مختلفة، أو قد توافرت بعض الرموز التي يتفق الناس على دلالاتها في مختلف المجتمعات.

وتفيد مثل هذه الحقيقة منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تحديدا في تعليم المفردات الذى يجب أن تراعي فيه الخصائص الرمزية للغة. ويتم ذلك في عدة استراتيجيات منها أن تقدم المفردات تبعا لمبادئ التدرج من السهل إلى الصعب ومن المحسوس إلى المجرد. فالمفردات الدالة على المحسوسات يسبق تقديمها على الأخرى الدالة على المجردات لسهولة إدراكها وفهمها لدى الطلاب.

ث‌.   اللغة نظام:

بما أن اللغة هي أصوات ورموز مرتبة ترتيبا معينا لتعطى معنى يتفق عليه فهي إذن نظام. والنظام في اللغة لا يشمل القواعد النحوية والصرفية فحسب وإنما كذلك العلاقات بين عناصر اللغة ومكوناتها المختلفة مثل الأصوات، والحروف، والمفردات، والتراكيب. وتقوم بين أنظمة كل من هذه العناصر اللغوية علاقة تخضع لنظام آخر أشمل، مما يعنى أن اللغة حقيقة أكثر من نظام أو "نظام النظم".  فنظام الأصوات على سبيل المثال يكوّن نظام الكلمة الذي يكوّن بدوره نظاما آخر هو نظام التراكيب. وهذه الأنظمة الثلاثة تكوّن نظاما رابعا هو نظام المعنى.

هذه الحقيقة اللغوية تفرض على أن يعتمد المحتوى اللغوي لمنهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على تحليل علمي دقيق للأنظمة اللغوية قبل تقديمها في عملية التعليم. فالنظام هو الذى يحدد حدوث الاتصال بين متحدثي اللغة، واختلال النظام يؤدي إلى عدم فعالية الاتصال بل إلى فشلها إذ إن التفاهم بين متحدثي اللغة يعتمد على ما هو مقبول اعتباطيا من الأنظمة اللغوية.

بالإضافة إلى ذلك ينبغي أن تقدم المكونات اللغوية في عملية التعليم في ضوء نظام التركيب والمعنى، لأن اللغة بوصفها وسيلة للاتصال يعتمد استخدامها على التركيب والمعنى. فيجب ألا تقدم الأصوات والمفردات إلا من خلال سياقات ذات دلالة ومعنى، وليس من خلال مقاطع أو كلمات أو قوائم لا معنى لها.

ث. اللغة اتصال:

        إن كون اللغة وسيلة للاتصال أوضح من أن يناقش. فاللغة يستخدمها الإنسان للتعبير عن أفكاره وأغراضه تحقيقا للاتصال. بل إن اللغة تتكون نتيجة لوجود رغبة الإنسان كمخلوق اجتماعي في قضاء حاجاته للاتصال. 

        وفي ضوء هذه الحقيقة الاتصالية للغة ينبغي أن يركز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها على تمكين الطلاب من الاتصال بهذه اللغة في مجالات مختلفة ومواقف اتصالية متنوعة، وذلك من خلال توظيف ما يعرف بـ "تعليم اللغة اتصاليًا". وذلك لا يتم بصورة مرضية إلا إذا كان المنهج لتعليم اللغة العربية تتمحور كل عناصره حول إكساب المهارة الاتصالية لدى الطلاب. فقد أشارت الدراسات إلى أن المنهج الذى يفصل تعلم اللغة وتعليمها من طبيعتها الاجتماعية (طبيعة اتصالية) لن يحقق نتائج مرضية.

ج‌.    اللغة ثقافة:

تقوم بين اللغة والثقافة علاقة وطيدة ترجع إلى عدة أسباب أهمها: أولاً، أن اللغة تربط بين الثقافة وأبنائها. فالطفل يكتسب ملامح ثقافة بيئته من خلال اللغة. وثانيـًا، أن اللغة تنقل الثقافة إلى خارج حدودها، واللغة لا تكسب الثقافة لأبنائها فقط بل تنقلها من شعب إلى شعب ومن جيل إلى آخر.

وهذه العلاقة الوثيقة بين اللغة والثقافة تفرض على أن يكون محتوى منهج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ذا بعد ثقافي إسلامي، وأن يكون معلمو هذه اللغة ملمين بالثقافة الإسلامية- حتي يتمكن من تحقيق أحد الأهداف العامة من تعليم هذه اللغة للناطقين بغيرها وهو: "أن يتعرف الطالب على الثقافة العربية وأن يلم بخصائص الإنسان العربي، والبيئة التي يعيش فيها، والمجتمع الذى يتعامل معه".

2.    خصائص اللغة العربية:

تتصف اللغة العربية بخصائص تمتاز بها على غيرها من اللغات، ومن أهم هذه الخصائص أنها:

أ‌.       لغة الاشتقاق

إن الكلمة في اللغة العربية تتكون من ثلاثة حروف، ومن هذا الجذر الثلاثي يشتق عدد كبير من الكلمات. وتعد ظاهرة الاشتقاق من أهم ما تتميز به اللغة العربية وقد دفعت بعض اللغويين إلى القول: "إنَّ هذه الجذور الشتى، وما يمكن أن يطرأ عليها من تغييرات تعز على الحصر، تجعل من العربية إحدى اللغات العظمى في العالم أجمع، ومن أجل هذا فهي جديرة بأن تعلَّم، إنَّها بحق إحدى اللغات الكلاسيكية العظمى وتقف بجدارة على نفس مستوى كل من اليونانية والسنسكريتية".

ب‌.   لغة غنية بالأصوات

إن اللغة العربية بحروفها الثمانية والعشرين ليست أوفر اللغات أبجديةً، إلا أنها أغناها وأبلغها جميعا في الوفاء بالمخارج الصوتية.

ح‌.    لغة الإعراب

إن ظاهرة الإعراب حقيقة لا تنفرد بها اللغة العربية إذ إنها توجد في بعض اللغات، إلاَّ أنها في اللغة العربية تشمل الكثير من الأفعال والأسماء حيثما وقعت بمعانيها من الجمل والعبارات. بينما الإعراب في اللغات الأخرى لا يزيد على إلحاق طائفة من الأسماء والأفعال بعلامات الجمع والإفراد، أو علامات التذكير والتأنيث.

خ‌.    لغة الصيغ

إنَّ بناء الصيغ أساس توليد المفردات في اللغة العربية إذ إن في ضوئه يمكن تشكيل صيغ كثيرة من أصل واحد. فالأصل "فعل" على سبيل المثال تتولد منه صيغ عديدة مثل: فعّل-فاعل-أفعل-تفعل-تفاعل-انفعل-افتعل-افعلّ-استفعل...إلخ. وبناء الصيغ بالتالي أساس توليد المعاني بحيث تنسب إلى صيغة واحدة معاني متعددة، كأن تنسب إلى صيغة "استفعل"  معاني الطلب كاستخرج، والصيرورة كاستحجر، واعتقاد الشيئ على صفة ما كاستصغر، والمطاوعة كاستقام، والاتخاذ كاستشعر، وحكاية الشيئ كاسترجع، وقوة العيب كاستهتر، والاستحقاق كاستحصد.

        إلى جانب ما تقدم ذكره تتميز اللغة العربية بخصائص كتابية في رسم حروفها وكتابة كلماتها، وتشير إلى ذلك بعض الظواهر التالية:

أ‌-  شكل الحروف:

إنَّ الحروف العربية تتميز بالشكل وهو الحركات القصيرة (فتحة وضمة وكسرة) التي وضعت معها.

  ب‌-تجريد الحروف:

يمكن استخلاص أي حرف عربي من الكلمات التي يشترك فيها وعزله عن غيره من الحروف، بحيث يمكن التعرف عليه منفردا أو ضمن حروف أخرى. وتجريد الحرف نوعان: أولاً، تجريده من حيث الصوت أو صفاته ونطقه مع الحركات المختلفة، وثانيًا، تجريده من حيث الرسم أو طريقة كتابته في المواضع المختلفة من الكلمة.

  ت‌-الشدة

وهي ضم حرفين متماثلين في حرف واحد، مثل الدال في كلمة "شدّ" أو "عدّ". فأصلهما "شدد" و "عدد".

  ث‌-تشابه الكثير من الحروف

        على الرغم من أن ظاهرة تشابه الحروف قد توجد في اللغة الأخرى إلاَّ أنها في اللغة العربية تبلغ درجة تجعل من العسير التمييز بين الحروف المتشابهة. ويمكن تقسيم الحروف العربية المتشابهة رسما إلى مجموعة تالية:

  • المجموعة الأولى   : ب/ت/ث/ن/ي/ف/ق/ك/ل
  • المجموعة الثانية    : ج/ح/خ/ع/غ
  • المجموعة الثالثة    : د/ذ/ر/ز/و
  • المجموعة الرابعة: س/ش/ص/ض/ط/ظ
  • المجموعة الخامسة: م/هـ/أ

  ج‌-  التنوين:

يقصد بالتنوين النون الزائدة الساكنة التي تتبع الآخر نطقا لا كتابة ويرمز إليها في الكتابة بضمة ثانية بعد ضمة الرفع، وبفتحة ثانية بعد فتحة النصب، وبكسرة ثانية بعد كسرة الجر.

  ح‌-  المد:

        ويقصد به كل واو قبلها ضمة مثل "يقول"، وكل ياء قبلها كسرة مثل "يسير"، وكل ألف قبلها فتحة مثل "صاد".

  خ‌-  أصوات تنطق ولا تكتب:

توجد في اللغة العربية أصوات تنطق ولكن لا تكتب، مثل ألف المد بعد الهاء في اسمي الأشارة (هذا/هذه).

   د‌-   حروف تكتب ولا تنطق:

كذلك توجد في اللغة العربية حروف في بعض الكلمات تكتب ولكن لا تنطق، مثل الألف في الفعل الماضي: سمعوا.

هذا، وينبغي مراعاة هذه الخصائص للغة العربية عند تعليمها للناطقين بغيرها وذلك يستتبع بناء المنهج الذى يعطي مجالا كافيا من محتواه لهذه الخصائص وبالتالي إكسابها للطلاب بواسطة المعلمين الملمين بها وبطرائق تعليمها. كما يستتبع ذلك جعل إكساب هذه الخصائص من ضمن أهداف المنهج، لأن أهداف تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لا تنحصر على إكساب مهارات اللغة العربية والتعرف على ثقافتها فحسب وإنما تتسع ليشمل إكساب خصائصها للطلاب.

3.    التحليل التقابلي

يقصد بالتحليل التقابلي أو التقابلي اللغوي (Contrastive analysis) إجراء دراسة تقارن فيها لغتين أو أكثر من عائلة لغوية واحدة أو أكثر أو عائلات لغوية مختلفة مبينا عناصر التشابه والاختلاف بينها بهدف تيسير المشكلات التي تنشأ في مجال تعليم اللغات الأجنبية. ويتم ذلك من خلال التنبؤ بالصعوبات التي يتوقع أن يواجهها الدارسون عند تعلمهم اللغة الأجنبية.

لقد ظهر التحليل التقابلي في الخمسينات على أيدي البنيويين الأمريكيين في مقدمتهم روبرت لادو الذى يعتبر المحرك الأول لهذا الاتجاه ويعد كتابه (Linguistics Across Cultures) الصادر عام 1957م نقطة البداية للدراسات التقابلية.

والتحليل التقابلي –على حد قول لادو- ينبنى على افتراض أن المواد الدراسية التي تم إعدادها على أساس المقارنة الهادفة بين اللغة الأم واللغة الهدف كانت فعالة وأدت إلى نتائج إيجابية في تعليم وتعلم اللغة الأجنبية. كما أن المعلم الذى قام بمثل هذه المقارنة يدرك جيدا المشكلات في تعلم اللغة ويستطيع أن يقدم علاجها التعليمي. لذلك ينبغي أن تستمد الكتب المدرسية من نتائج التحليل التقابلي بين اللغة الأم للدارس واللغة الأجنبية التي يتعلمها على مستوى الأصوات، والكلمات، والثقافة. كما ينبغي أن يستند إليها معلم تلك اللغة الأجنبية في إعداد المواد التعليمية.

في ضوء ما تقدم ذكره يهدف التحليل التقابلي إلى ثلاثة أهداف:

1.    فحص أوجه الاختلاف والتشابه بين اللغات.

2.    التنبؤ بالمشكلات التي تنشأ عند تعليم اللغة الأجنبية ومحاولة تفسير هذه المشكلات.

3.    الإسهام في تطوير مواد دراسية لتعليم اللغة الأجنبية.

على الرغم من أن التحليل التقابلي يواجه انتقادات من قبل معارضيه -خاصة في ما يتعلق بقدرته على التنبؤ بمشكلات تعلم اللغة الأجنبية، ومنهجه في مقارنة اللغات، وأهميته في تعليم اللغة،- إلا أنَّ هناك من يرى –استنادا إلى نتائج الدراسات- أن التحليل التقابلي أثبت نفعًا حقيقيًا في مجال تعليم اللغة الأجنبية خاصة في  تطوير المواد الدراسية، وتأليف الكتاب المدرسي، وتصميم الإختبارات اللغوية.

وعلى هذا الأساس ينبغى أن يقوم المنشغلون في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بالتحليل التقابلي بين اللغة العربية ولغة الدارسين ليستفيدوا من نتائجها في اكتشاف ما يتعرض له الدارسون من المشكلات والصعوبات عند تعلمهم اللغة العربية، وليستفيدوا منها في إعداد المواد التعليمية وتحديد الاستراتيجية التعليمية تذليلا لتلك المشكلات والصعوبات.

4.    تحليل الأخطاء

        ظهر اتجاه تحليل الأخطاء (Errror analysis) في أواخرالستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي ردا على النظرية المبنية على التحليل التقابلي. ويرى هذا الاتجاه المضاد أنه من الخطأ الاعتماد على نتائج التحليل التقابلي في التعرف على المشكلات التي تجابه دارسي اللغات الأجنبية، ذلك لأن ليس كل ما يتوقع حدوثه نظريًا بواسطة التحليل التقابلي يقع بالفعل، فقد دلت التجارب على أن في مقدور التحليل التقابلي أن يتنبأ 50 إلى 60% فقط من الأخطاء الحقيقية. كما أن هناك مشكلات لغوية وغير لغوية لايمكن التنبؤ بحدوثها عن طريق التحليل التقابلي، مثل: المشكلات المتعلقة بأسلوب التعليم والدراسة، والتعود، والنمو اللغوي، وطبيعة اللغة المدروسة، وهدف الدارسين وسننهم... إلخ.

        وتحليل الأخطاء عبارة عن معالجة الأخطاء اللغوية التي يرتكبها دارسو اللغات الأجنبية وذلك من خلال تعرفها وتوصيفها وتفسيرها بهدف اكتشاف الجوانب التي تشكل على الدارسين وهم يتعلمون اللغات الأجنبية.

        ويمر تحليل الأخطاء في ضوء هذا المفهوم بثلاث مراحل:

أ‌.             تعريف الخطأ: ويقصد به تحديد المواطن التي تنحرف فيها استجابات الطلاب عن مقاييس الاستخدام اللغوي الصحيح.

ب‌.   توصيف الخطأ: ويقصد به بيان أوجه الانحراف عن القاعدة، وتصنيفه للفئة التي ينتمى إليها تحديد موقع الأخطاء من المباحث اللغوية.

ت‌.        تفسير الخطأ: ويقصد به بيان العوامل التي أدت إلى هذا الخطأ والمصادر التي يُعزى إليها.

يتضح من هذه المراحل الثلاث أن تحليل الأخطاء يعالج المشكلات التي يتعرض لها دارسو اللغات الأجنبية من خلال ما حدث من الأخطاء، ولذلك يسمى أحيانا بالتحليل البعدي. وهذا بخلاف التحليل التقابلي الذى يعالج المشكلات من خلال ما يتوقع حدوثه من الأخطاء عن طريق التنبؤ بها. أو بعبارة أدق أن الفرق بين تحليل الأخطاء والتحليل التقابلي هو أن الأول يعالج الواقع بينما الثاني يعالج المتوقع.  وهذه الفرق منبع إدعاء أنصار تحليل الأخطاء بأنه أكثر موضوعية من التحليل التقابلي وبالتالي أكثر فعالية منه في معالجة مشكلات تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها.

ومن فوائد تحليل الأخطاء في مجال تعليم اللغة الأجنبية هي:

1.  إنه يفيد معلمي اللغات الأجنبية مدى تحقيق الطلاب أهداف التعليم، وبعبارة أخرى أنه يكشف لهم عمَّا قد تعلمه الطلاب وما لم يتعلموه.

2.    إنه يفيد الباحثين في كيفية تعلم اللغة واستراتيجية اكتسابها لدى الطلاب.

3.    إنه يكشف عن نظرة الطلاب نحو اللغة، وعن افتراضاته عنها أثناء تعلمها.

في ضوء ما تقدم ذكره يمكن الاستفادة من منهج تحليل الأخطاء في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وذلك من خلال توظيفه في اكتشاف المستوى اللغوي للطلاب، والقيام على أساسه بإعداد المواد الدراسية المناسبة وتطويرها، أو في اكتشاف استراتيجية تعلم اللغة لدى الطلاب وتحديد في ضوء ذلك طرائق التدريس المناسبة لهم، أو اكتشاف المواطن التي تشكل عليهم وتحديد على أساس ذلك محل التركيز لعملية التعليم.  

 

 

__________________

 

المراجع

 

  • تمام حسان، من خصائص العربية، وقائع ندوات تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ج2، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، 1406هـ/1985م
  • حمدي قفيشة، تحليل الأخطاء، في وقائع ندوات تعليم اللغة العربية لغير النطقين بها، ج1، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، 1406هـ/1985م
  • رشدي أحمد طعيمة، الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، جامعة أم القرى، معهد اللغة العربية، محمود على السمان، التوجيه في تدريس اللغة العربية، دار المعارف، القاهرة، 1983م
  • رشدي أحمد طعيمة، المدخل الاتصالي في تعليم اللغة، سلطانة عمان، 1997م
  • رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو، الرباط، 1989م
  • عبد الرحمن أبو زيد ولي الدين ابن خلدون، مقدمة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2002،
  • عبد العزيز بن إبراهيم العصيلي، النظرية اللغوية والنفسية وتعليم اللغة العربية، الرياض، 1999م
  • عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، 2000م
  • عثمان (أبو الفتح) ابن جني، الخصائص، تحقيق: محمد على النجار، ط1، دار الكتب المصرية، 1956م
  • على أحمد مدكور، تدريس فنون اللغة العربية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997م
  • محمود إسماعيا صيني وإسحاق محمد الأمين، التقابلي اللغوي، عمادة شؤون المكتبات – جامعة الملك سعود، الرياض 1402هـ/ 1982م
  • محمود إسماعيل صيني، مشكلة الاستفهام في تدريس الإنجليزية للطلاب العرب: دراسة تقابلية، في التقابلي اللغوي وتحليل الأخطاء، تعريب وتحرير: محمود إسماعيل صيني وإسحاق محمد الأمين، عمادة شؤون المكتبات-جامعة الملك سعود، الرياض، 1403هـ/1982م

 

  • S.P. Corder, The Significance of Learners' Errors, in Jack C. Richard (ed.), Error Analysis: Perspectives on Second Language Acquisition, Longman Group Limited, London, 1974 
  • Christopher Brumfit, Communicative Methodology in Language Teaching, Cambridge University  Press, 1984
  • Fred West, The way of language: an introduction, Harcourt Brace Jovanovich, Inch. 1975
  • Gerhard Nickel, Contrastive Linguistics and Foreign-Language Teaching, in Gerhard Nickel (ed.),  Papers in Contrastive Linguistics, Cambridge University Press, 1971
  • M.P. Jain, Error Analysis: Source, Cause and Significance, in Jack C. Richard (ed.), Error Analysis: Perspectives on Second Language Acquisition, Longman Group Limited, London, 1974
  • R. Ellis, Understanding Second Language Acquisition, Oxford University Press, 1986
  • R. Ellis, Understanding Second Language Acquisition, Oxford University Press, 1986
  • Robert Lado, Linguistics Across Cultures: Applied Linguistics for Language Teachers, Ann Arbor-The        University of Michigan Press, 1957
  • Ronald Wardhaugh, The Context of Language, Newbury House Publishers, Inc. Rowly Massachusetts, 1969
Share

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

 

حكمة / Hikmah

زوار / Pengunjung