مقالات

تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي  في إندونيسيا

د. نصرالدين إدريس جوهر

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية – إندونيسيا)

 

إن تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي (بحفظ النظر إلى تعليمها على المستويات التعليمية دونها) يعد من أهم مراحل التطور التي مر بها تعليم اللغة العربية في إندونيسيا.

ستلقي السطور التالية الضوء على هذا الموضوع مبينا في ذلك كل ما يتعلق بتعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي من المنهج، والأهداف، والمحتوى، والطريقة، والوسائل التعليمية اكتشافا عما له وما عليه.

1. الجامعات والكليات والأقسام القائمة بتدريس اللغة العربية

تنص صياغة سياسة اللغة القومية الإندونيسية سنة 1999م أن تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي يكون بكونها مادة المحاضرة أو إحدى مواد المحاضرة. إلا أن تعليم اللغة العربية بوصفها مادة المحاضرة كما ذكر تتخذ أشكالا عديدة في مناهج تعليم اللغة العربية بالجامعات الإندونيسية سواء أكانت في الجامعات الإسلامية الحكومية والأهلية التابعة لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية أو في الجامعات العامة التابعة لوزارة التربية الوطنية. وتعليم اللغة العربية في الجامعات الإسلامية التابعة لوزارة الشؤون الدينية يتم في خمس كليات وهي كلية الآداب، والتربية، والشريعة، والدعوة، وأصول الدين، سواء كانت بوصفها مادة أساسية أم مادة التخصيص. فاللغة العربية بوصفها مادة أساسية تدرس في السنة الأولي في كل كلية. أما اللغة العربية بوصفها مادة التخصيص فتدرس في الكليتين فقط هما كلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها وكلية التربية قسم تربية اللغة العربية.         

أما في الجامعات العامة التابعة لوزارة التربية الوطنية فكان تعليم اللغة العربية تحت كلية العلوم الإنسانية وكلية تعليم اللغات الأجنبية وتدرس اللغة العربية بوصفها مادة التخصص.

2. منهج التعليم.

يمكن تقسيم المنهج المتبع لتعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا إلى ثلاثة أقسام: المنهج الوطني، والمنهج الجامعي، ومنهج الكلية. المنهج الوطني هو الذي وضعته وزارة الشؤون الدينية ويجب مراعاته في بناء مناهج تعليم اللغة العربية في الجامعات الإسلامية التابعة للوزارة حكومية كانت أم أهلية. والمنهج الجامعي هو الذي وضعته الجامعة خاصة بها ويجب مراعاته في تعليم اللغة العربية في الكليات التابعة لها. ويختلف هذا المنهج من جامعة إلى أخرى إذ إنه عبارة عن اتجاه تسير عليه كل جامعة في تعليم اللغة العربية. أما منهج الكلية فهو الذي وضعته كل كلية وفقا لاتجاه العلوم والتعليم فيها مع مراعاة ما ينصه  المنهج الجامعي، مما يعني أن هذا المنهج  يختلف من كلية إلى أخرى.

2. أهداف التعليم.

إن الأهداف العامة من تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا هي الأهداف التأهيلية والمهنية. وتسعي الجامعات في ضوء هذه الأهداف إلى تخريج المتأهلين في اللغة العربية وأدبها كما يسعى إلى إعـداد المدرسين المهنيين في حقل اللغة العربية.

والجدير بالذكر أن هذه الأهداف كما يبدو هي الأهداف على المستوى المثالي بمعني أنه مما يفترض أن يحققه تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي. ولقد اكتشف الباحث خلال مسحه الميداني في عدد من الجامعات في إندونيسيا أن هذه الأهداف في الواقع لم تتحقق بصورة مرضية في أغلبية الجامعات الإندونيسية أو الجامعات الإسلامية على وجه التحديد. وذلك لعدة أسباب يتلخص أهمها كما يلي:

 أ‌.       المنهج التعليمي الذي وضعته الجامعات وتستند إليه في تعليم اللغة العربية مازال يتركز من حيث الأهداف على الجوانب اللغوية البحتة مثل الإلمام بالقواعد والترجمة والمفردات نتيجة تقيد تعليم اللغة العربية بالأهداف الدينية. إن الإلمام بهذه الجوانب اللغوية لا يمثل ما يحتاج إليه الطلاب ليكونوا متأهلين في مجال اللغة العربية. المهارات الاتصالية في اللغة العربية على أي أساس هي أمس ما يحتاجون إليه المعنيون بهذه اللغة وأكثر مواكبة للمتطلبات الزمن نحو اللغة العربية.

ب‌. المعلمون القادرون على أداء وظيفة التعليم في ضوء تحقيق تلك الأهداف المثلى قلائل جدا. إن معظمهم كما سبق ذكره ليسوا من المتخصصين ولا المتدربين ولا المتأهلين في مجال تعليم اللغة العربية. والغريب أن السعي إلى تذليل هذه المشكلة معدوم إلى حد كبير. فلا تسعى الجامعات مثلا إلحاق بعض المعلمين بالجامعات في الدول الناطقة بالعربية حتى يستفيدوا من دراستهم هناك ليقدموا عند عودتهم شيئا يذكر لتعليم اللغة العربية في جامعاتهم في إندونيسيا.    

3. المواد التعليمية.

أما من حيث المادة فتعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا  يلجأ في أغلب الأحيان إلى الكتب النحوية مثل جامع الدروس العربية، والنحو الواضح، والنحو الوافي، وغيرها من الكتب النحوية. والتعليم باستخدام هذه الكتب يتركز على تزويد الطلاب بالمعلومات القواعدية على حساب المهارات اللغوية الأخرى، الأمر الذي يقف وراء سيطرة الطلاب العالية على قواعد اللغة العربية وقدرتهم الضئيلة على استخدامها اتصاليا. 

وهناك اتجاه جديد ظهر في السنوات الأخيرة وهو استناد مواد تعليم اللغة العربية من سلسلة تعليم اللغة العربية الصادرة من الجامعات في الدول العربية مثل سلسلة العربية للحياة، والعربية للناشئين، والعربية بين يديك. إلا أن اللجوء إلى هذه الكتب لم يذلل المشكلة إذ إن هذه الكتب –رغم أنها كتب التعليم-  لا يخص إعدادها الإندونيسيين وإنما الأجانب الناطقين بغير العربية بصورة عامة. وهذا يعني أن استخدام هذه الكتب لتعليم اللغة العربية في إندونيسيا يشترط التعديل والتصرف حتى يتمشى مع اتجاه تعليم اللغة العربية في إندونيسيا ويتناسب مع خصائص الطلاب الإندونيسيين –الأمر الذي بكل أسف لم تسع أية جهة إلى تحقيقه.

على صعيد آخر هناك محاولات بادرت إليها بعض الجامعات الإندونيسية في تأليف الكتب التعليمية. ومن ثمرات هذه المبادرة إصدار عدد من الكتب التعليمية منها كتاب "العربية الميسرة"، و"العربية المنهجية"، و"العربية للطلبة" التي أصدرتها جامعة سونان أمبيل الإسلامية الحكومية سورابايا.  ومنها أيضا كتاب "العربية النافعة"، و"العربية للجامعة" التي أصدرتهما الجامعة الإسلامية الحكومية جمبير. إلا أن هذه الكتب التعليمية لا تقدم شيئا جديدا يذكر من حيث المواد. ذلك لأن محتوى هذه الكتب يستمد من الكتب التعليمية التي أصدرتها الجامعات في الدول العربية. والإسهام في تأليف هذه الكتب لا يربو على الجمع والتنظيم والترتيب. 

4. طريقة التدريس.

الطريقة الشائعة الاستخدام في تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا هي طريقة النحو والترجمة –تلك الطريقة التي تعد أقدم طرائق تدريس اللغات الأجنبية والتي لم تعد تتناسب مع الاتجاهات الحديثة في تعليم اللغات الأجنبية. وهناك عدة أسباب تقف وراء شيوع استخدام هذه الطريقة، منها: أولا،  يرى المعلمون أنها أحسن طريقة لتعليم مواد القواعد والترجمة. ثانيا، أنها أحسن طريقة لإدارة الفصول الكبيرة الحجم التي تضم أكثر من 25 طالبا. ثالثا، أنها خير ما يلجأ إليه المعلمون غير القادرين على التحدث بالعربية إذ إنها تسمح إلى حد كبير استعمال اللغة الوسيطة (اللغة الإندونيسية).   

5. وسائل التعليم.

الوسائل الأكثر استخداما في تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا هي الوسائل البصرية (visual aids) مثل السبورة. أما الوسائل السمعية والوسائل السمعية البصرية لا توجد إلا في عدد قليل من الجامعات. لقد سبق أن شاع توفير الوسائل السمعية والسمعية البصرية في السنوات الماضية تبعا لاستخدام سلسلة تعليم اللغة العربية مثل العربية للناشئين، إلا أن هذه الوسائل التعليمية لم يحسن توظيفها ولم يستفد منها كل من المعلمين والطلاب بصورة فعالة.

هناك عدة أسباب تؤدي إلى مشكلة توفير الوسائل التعليمية واستخدامها في تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي، ويمكن ذكر أهمها كما يلي:

أ‌.  إن التركيز البالغ على النحو والترجمة تجعل عملية التعليم تستعين بلا أكثر من  السبورة والطباشير. 

ب‌. كثير من المعلمين غير متدربين على استخدام الوسائل التعليمية في دروس اللغة العربية وغير مهتمين بأهميتها مما يجعل الوسائل التعليمية الحديثة مثل جهاز التسجيل والفيديو والمعمل اللغوي المتوافرة في بعض الجامعات لم تنفع كما ينبغي. 

يتضح مما ذكر أعلاه أن المشكلة التي تجابه مجال تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا هي مشكلة منهجية إذ إنها تغطي كل عناصر المنهج. وهذا يبرر الادعاء أن مجال تعليم اللغة العربية لم ينبن على وجه عام على منهج يمكنه أن يتحسن ويتطور. فإذا كان هناك ما يخالف هذا الادعاء فذلك يشير إلى وضعية خاصة ونادرة في عدد قليل جدا من الجامعات التي بادرت إلي تذليل هذه المشكلة المنهجية والتغلب عليها ومهدت طريقا إلى تحسين وتطوير منهجها في تعليم اللغة العربية حتى يتمشى مع ما خططه العرب في تعليم لغتهم العربية.

وهناك مشكلات أخرى تجابه مجال تعليم اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية، وهي ما يمكن ذكره كالآتي:

أ‌.    تباين المستوى اللغوي للطلاب الذين يلتحقون ببرامج تعليم اللغة العربية التابعة للجامعات الإندونيسية. فمن هؤلاء الطلاب هم الذين تخرجوا من المعاهد والمدارس الثانوية الإسلامية وسبق أن درسوا اللغة العربية، ومنهم من تخرجوا من المدارس الثانوية العامة وليس لديهم خبرات سابقة في تعلم اللغة العربية. والطلاب من هذه الفئة الأخيرة يبدءون دروس اللغة العربية من نقطة الصفر عند التحاقهم بالجامعة، وذلك بخلاف الطلاب من الفئة الأولى الذين يدرسون العربية مواصلة لما سبق أن درسوه في المستوى الثانوي. وهذه الفجوة بين الفئتين من حيث المستوى اللغوي تمثل مشكلة غير بسيطة خاصة في تصنيف الطلاب، وإعداد المواد التعليمية، وتحديد الطرائق، وإجراء التقويم.

ب‌.   البيئة اللغوية. إن صعوبة توفير البيئة اللغوية التي تمكن الطلاب من ممارسة اللغة العربية يشكل مشكلة تجابه تعليم اللغة العربية في الجامعات الإندونيسية. وذلك يعود إلى أن الجامعات الإندونيسية غير مجهزة بالداخلية التي تتسع لجميع الطلاب مما يعني أن الطلاب يلتقون بعضهم بعضا عند الحصص الدراسية فقط. فيصعب عند مثل هذا الوضع توفير البيئة اللغوية يجمع فيها الطلاب ليقوموا بنشاطات لغوية معينة تهدف إلى تنمية مهارتهم اللغوية. ولعل الجامعة الوحيدة في إندونيسيا التي نجحت في توفير البيئة اللغوية هي الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج التي وفرت بيئة لغوية في داخلية تتسع لجميع الطلاب الجدد الذين يدرسون اللغة العربية في البرنامج الخاص التابع لهذه الجامعة.  وفي هذه الداخلية شارك الطلاب في نشاطات لغوية مختلفة على مدار الساعة لمدة سنة كاملة التي من أهدافها الرئيسية تمكينهم من تنمية مهارة الاتصال باللغة العربية.

            

__________________

المراجع

 أحمد فؤاد أفندي، "خريطة تعليم اللغة العربية في إندونيسيا" مجلة اللغة والفنون، كلية الآداب بجامعة مالانج الحكومية، 2001م

 دليل البرنامج الخاص لتعليم اللغة العربية الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج، 2005م

 رسومات الندوة عن سياسة اللغة القومية، مركز اللغة القومية، 1999م

Share

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

 

حكمة / Hikmah

زوار / Pengunjung