مقالات

تعليم اللغة العربية في إندونيسيا بين التطورات الواعدة والمشكلات القائمة

د. نصر الدين إدريس جوهر·

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية-إندونيسيا)

 

مستخلص                                                         

إن للغة العربية مكانا شريفا في المجتمع الإندونيسي وذلك لكونها لغة دينية جاءت متزامنة مع دخول الإسلام في هذا البلاد. فتزايد الاهتمام بها عبر العصور وتواصلت محاولة رفع شأنها بصورة مستمرة إلى أن شهد مجال تعليمها تطورا ملحوظا في العقد الأخير. وتمثل هذا التطور في العديد من الجوانب أهمها الجانب الإداري، والمنهج، والتكنولوجي، والأكاديمي. إلا أن هذا التطور لم يكن تخليا كاملا عن المشكلات إذ أن مجال تعليم هذه اللغة مازال يعاني من القصور خاصة في المناهج المتبعة لتعليمها والموارد البشرية المعنية بها. هذا يعني أن الوضع الآني لمجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا هو ما بين الاتجاه نحو التقدم والتخلي عن التخلف، كما يعني أن مستقبله اللامع يحدده مدى إنجاز هذا التقدم وتحقيق هذا  التخلي.

الكلمات المفتاح: تعليم اللغة العربية، تطورات، مشكلات.

 

مقدمة

لا يختلف اثنان في أن اللغة العربية تحتل مكانًا شريفًا في المجتمع الإندونيسي وأن تعليمها وتعلمها يشكلان أهم ما شغلت فيه جهود العلماء الإندونيسيين واهتمت به المؤسسات التربوية الإسلامية الإندونيسية. ولعل أهم ما يقف وراء ذلك كون إندونيسيا أكبر دولة إسلامية سكانًا فمن الطبيعي أن يهتم الشعب الإندونيسي الذين كانت أغلبيتهم مسلمين اهتمامًا كبيرًا بهذه اللغة التي تنطق بها المصادر الأساسية لدينهم الإسلام.

إلا أن هذا المكان العظيم للغة العربية والاهتمام الكبير بتعليمها وتعلمها لا يعني بالضرورة أن هذه اللغة قد حظيت ما تستحقه كلغة دينية وأجنبية من هندسة وسياسة التعليم المتقدمة. فإن الوضع الآني لمجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا عبارة عن مرحلة يمكن وصفها انتقالية حيث أنه بدأ يشهد بعض التطورات الملحوظة الواعدة من ناحية، ولا يزال يتعرض لعدة مشاكل شائكة من ناحية أخرى.

ومن تلك التطورات الواعدة ما يتمثل في الرغبة المتزايدة لأبناء إندونيسيا في تعليم اللغة العربية وتعلمها كما يتجلى في تحسن مستوى هندسة هذه اللغة سواء كان من ناحية المنهج أو من ناحية الموارد البشرية. وينتج ذلك من تزايد دور اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية الذي يتآزر مع محاولات جادة التي قام بها المعنيون بهذا المجال في إعادة بناء المناهج التعليمية وتطويرها حتى تتماشى مع اتجاهات التعليم الحديثة، كما ينتج من محاولات تحسين مستوى الموارد البشرية وتأهيلها حتى تلبي متطلبات تعليم هذه اللغة المستجدة.        

ولكن مع ذلك، إن هذه التطورات الواعدة لا تصرف النظر عن المشاكل التي لا تزال تتعرض لها هذه اللغة سواء كانت من حيث مناهج تعليمها أو سياسة نشرها. وقد أشارت العديد من الدراسات (والتي يبررها الواقع) إلى أن تعليم اللغة العربية في إندونيسيا –شأن تعليمها في معظم الدول الأجنبية- مازال بشكل عام يستند إلى الاتجاه التقليدي ولم يواكب المتطلبات المستجدة لتعليم هذه اللغة بوصفها لغة أجنبية. ففي الوقت الذي يترقى فيه تعليم اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية والصينية وغيرها في نطاق واسع وبأحدث ما وصل إليه مجال تعليم اللغة الأجنبية من الهندسة ينحصر تعليم اللغة العربية في بيئات محددة متقيدا بالمناهج التقليدية التي لا تكاد تعد من لجأ إليها نتيجة مرضية.

يحاول هذا المقال المتواضع تسليط الضوء على هذين الجانبين من مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا مبينا هذه التطورات الواعدة وتلك المشكلات القائمة. وذلك لا يهدف إلا لوصف الوضع الآني لمجال تعليم هذه اللغة في إندونيسيا ليس فقط من جوانبه الإيجابية وإنما أيضا من جوانبه السلبية حتى يتضح لمن يعني بهذا المجال ما ينبغي فعله من أجل تحسينه وتطويره ورفع مستواه.  

بعض التطورات الواعدة

إن مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا كما سبقت الإشارة إليه شهد تطورا ملحوظا ليس فقط من حيث المنهج وإنما أيضا من حيث الإدارة والموارد البشرية. وثمة مؤشرات كثيرة تدل على ذلك ويتلخص أبرزها فيما يلي:

أولا: ظهور برامج تعليم اللغة العربية المكثفة في الجامعات

في نهاية التسعينات ظهر في الجامعات الإسلامية الإندونيسية حكومية كانت أم أهلية ما يعرف ببرامج تعليم اللغة العربية المكثفة. وهي برامج يجب أن يمر بها الطلاب الجدد في السنة الأولى من دراستهم وتهدف إلى تزويدهم بالمهارات اللغوية التي تساعدهم في دراستهم الجامعية. وجاءت فكرة إدارة هذه البرامج تذليلا لمشكلة  تدني مستوى اللغة العربية لدى طلاب المستوى الثانوي عند التحاقهم بالمرحلة الجامعية مما يؤدي بهم إلى التعرض لمشاكل لغوية في الاطلاع على المراجع العربية.

ويعد ظهور هذه البرامج مرحلة مهمة من تطور مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا وذلك لعدة مبررات تتلخص أهمها فيما يلي:

1.  هذه البرامج تتبنى اتجاها حديثا في تعليم اللغة العربية متخليا عن اتجاه النحو والترجمة الذي شاع الاستناد إليه في تعليم اللغة العربية بإندونيسيا.

2.  تنبني عملية التعليم في هذه البرامج على أساس المهارات اللغوية الأربع بصورة متكاملة بخلاف نظيرتها السابقة التي كانت تتركز بصورة بالغة على مهارة القراءة والترجمة.    

3.  تستمد مواد تعليم اللغة العربية في هذه البرامج من أحدث سلسلة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مثل العربية للناشئين والعربية بين يديك. وهذا بخلاف المواد التعليمية القديمة الشائعة التي تستمد من الكتب الدينية واللغوية وغيرها من الكتب التي لم يكن إعدادها لأهداف تعليمية.

4.  تتبنى عملية التعليم في هذه البرامج مدخلا اتصاليا وتتبع طرائق وأساليب التدريس الحديثة ولم تعد تلجأ إلى طريقة النحو والترجمة التي ساد استخدامها من قبل.

5.  تستعين عملية التعليم في هذه البرامج بأنواع مختلفة من الوسائل التعليمية الحديثة مثل الكمبيوتر والمختبر اللغوي وجهاز التسجيل والقمر الصناعي وغيرها من الوسائل الحديثة التي لم تشع استخدامها التعليمي من قبل.

6.  تدار هذه البرامج بصورة مكثفة حيث تستنفد الدراسة من ثلاثة إلى خمسة أيام في الأسبوع. وهذا من حيث الكم أكثر بدرجات من عدد الحصص في البرامج العادية التي تستغرق حصة واحدة فقط (مدة ساعة ونصف الساعة) في الأسبوع.

7.  تهتم هذه البرامج (في بعض الجامعات) بتوفير بيئة لغوية وذلك ببناء داخلية الطلاب يعيشون فيها جوا لغويا يمكنهم من ممارسة اللغة العربية في حياتهم اليومية. وهذا يعد تطورا غير مسبوق إذ إن انعدام البيئة اللغوية مشكلة تجابه أغلبية المؤسسات التربوية في إندونيسيا سواء أكان ذلك بسبب انعدام البيئة نفسها أم بسبب انعدام من يحركها ويشرف عليها.  

ثـانيا: نشأة معاهد دولية لتعليم اللغة العربية

نشأت في بداية الألفينات معاهد دولية لتعليم اللغة العربية وفي مقدمتها المعاهد الإماراتية الخاصة لتعليم اللغة العربية. هذه المعاهد منتشرة في بعض أكبر المدن الإندونيسية مثل سورابايا، ومالانج، وباندونج، وسوراكارتا، وماكسار، وسولو، وجاكارتا. وتعد نشأة هذه المعاهد من أهم مؤشرات تطور مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا لأنها تدير برامج تعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاهات الحديثة خاصة من حيث الطريقة والمواد والوسائل التعليمية.

إضافة إلى ذلك إن هذه المعاهد مهدت طريقا إلى إدارة برامج حديثة لتعليم اللغة العربية لقيامها بما يلي:

1. إنها توظف المعلمين المؤهلين معرفيا ومهنيا في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها المبعوثين من الدول الناطقة بالعربية مثل السودان.

2. إنها لا تزود الطلاب بالمهارات اللغوية فحسب وإنما أيضا تدربهم معرفيا ومهنيا على تعليم اللغة العربية.

3. إنها توفر بيئة لغوية من خلال توفير داخلية الطلاب التي تمكن المعهد من الإشراف المباشر على تنمية مهارات الطلاب اللغوية والتي توفر للطلاب في الوقت نفسه جوا خاصا يعيشون فيه حياتهم اليومية باللغة العربية.

ثـالثا: ظهور تخصص تعليم اللغة العربية

ظهر في السنوات الست الأخيرة تخصص تعليم اللغة العربية في بعض الجامعات الإسلامية الحكومية الإندونيسية على مستوى الماجستير والدكتوراه. هذا التخصص كان لا يتجاوز مرحلة البكالوريوس لعقود طويلة مما يقف وراء تدني المؤهل التعليمي لأغلبية معلمي اللغة العربية في إندونيسيا. وأول جامعة مهدت طريقا إلى إدارة تخصص تعليم اللغة العربية هي الجامعة الإسلامية الحكومية مالانج وهي الأولى في إدارة هذا التخصص على مستوى الماجستير والوحيدة على مستوى الدكتوراه.

وهذا التطور الأكاديمي رغم أنه حديث العهد يشكل بكل التأكيد مشهدا من مشاهد تطور مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا لأنه يعكس تغير سياسة تحسين مجال تعليم اللغة العربية من سياسة منهجية مجردة إلى سياسة أشمل تراعي المنهج والموارد البشرية على السواء.

إضافة إلى ذلك يقدم هذا التطور حلا يستحق التقدير لتذليل مشكلة قلة عدد المعلمين المؤهلين في مجال تعليم اللغة العربية. ومن المعروف أن قلة عدد المعلمين المؤهلين ليست لقلة المعنيين بهذه المهنة وإنما لعدم  تخصص أكاديمي يساعد على تأهيلهم مهنيا ومعرفيا. إن المعلمين المؤهلين الذين يحملون شهادة الماجستير والدكتوراه هم خريجو جامعات الشرق الأوسط وعددهم حتى الآن لم يتعد أصابع اليدين لأن التكلفة المالية للدراسة في الدول العربية كبيرة لا يتحملها إلا عدد ضئيل جدا من الإندونيسيين.[1]

ولعل آخر ما أنجزته الجامعات الإندونيسية من خلال هذا التخصص أنها تقدم للطلاب نوعين من التدريبات أولهما التدريب قبل الخدمة والآخر التدريب أثناء الخدمة. يخص الأول الطلاب الذين يحرصون على شغل مهنة معلم اللغة العربية بعد تخرجهم من الجامعة. أما الثاني فيخص معلمي اللغة العربية الراغبين في رفع مستواهم التعليمي أو مؤهلاتهم المهنية. وهذا يفيد مجال تعليم اللغة العربية ليس فقط في تأهيل المعلمين وإنما أيضا في إعداد الطلاب المتدربين. 

رابـعا: ظهور برامج تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة

ظهر في السنوات الأخيرة برامج تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة مثل تعليم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية لغرض أكاديمي. ظهر الأول في بعض المدن الإندونيسية مثل جاكارتا وسورابايا ومالانج ويتخذ مكانه في المساجد ومراكز النشاطات الإسلامية ويخص الراغبين في فهم القرآن الكريم ولكن ليس لديهم ما يكفي من الكفاءة اللغوية العربية. أما الثاني فهو يظهر في الجامعات ويخص الطلاب المتخصصين في العلوم الإسلامية الراغبين في رفع مستواهم اللغوي لكي يتمكنوا من الاطلاع على المراجع العربية في مجال تخصصهم.

وظهور هذه البرامج التعليمية يعد تطورا في مجال تعليم اللغة العربية وذلك لثلاثة أسباب:

1.  إنها تعكس توسع دائرة أهداف تعلم اللغة العربية وتنوعها كما تشير إلى أن الأهداف الدينية لم تعد دافعا فريدا في تعلم اللغة العربية لدى الإندونيسيين.

2.  إنها تدل على رغبة متزايدة ومتباينة لدى الإندونيسيين في تعلم اللغة العربية حيث أصبح متعلمو اللغة العربية لا يمثله فقط طلاب المعاهد والجامعات الذين يتعلمون اللغة العربية لأغراض أكاديمية وإنما أيضا المجتمع العام الذين يرغبون في فهم القرآن الكريم والعمال الذين يريدون أن يعملوا في الدول العربية.

3.  إنها تدل على أن الرغبة في تعلم اللغة العربية لا تخص الناشئين من تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات والمعاهد فحسب وإنما أيضا الراشدين والكبار. وقد اكتشف أن برامج تعليم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم في إندونيسيا ظهرت تلبية لحاجات هذه الفئة العمرية من المسلمين الذين يحرصون على فهم القرآن الكريم ولم يسبق لهم تعلم اللغة العربية.[2]         

4.  إنها تشير إلى مواكبة إدارة تعليم اللغة العربية اتجاهات حديثة في تعليم اللغة الأجنبية إذ إن تعليم اللغة لأغراض خاصة يعد من التطورات الأخيرة في مجال تعليم اللغات الأجنبية.

5.  إنها يدل على تطور مجال بناء مناهج تعليم اللغة العربية للإندونيسيين لأن ظهور برامج تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة يعنى بالضرورة بناء منهج جديد لتعليم اللغة العربية. ولعل خير ما يؤيد هذا التطور بناء منهج تعليم اللغة العربية لفهم القرآن الكريم في مؤسسة تثقيف الأمة بمدينة مالانج منهجا كاملا بما يكونه من أهداف ومحتوى وطريقة وتقويم.[3]    

خامسا: تعليم اللغة العربية من خلال الوسائل الإعلامية وشبكة الإنترنت.

من علامة تطور مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا أنه بدأ يستعين بالوسائل الإعلامية بصرية كانت أم سمعية بصرية بل يستعين بأحدث نوع من هذه الوسائل وهي الوسائل السيبرية (cyber media). وفيما يلي ثلاثة أهم أنواع الوسائل الإعلامية التي من خلالها ترقى مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا: 

1.  تعليم اللغة العربية من خلال قنوات التلفزيون. هناك قانتا تلفزيون سبق أن بثتا برامج تعليم اللغة العربية هما تلفزيون الحكومة الإندونيسية (Televisi Republik Indonesia- TVRI) وتلفزيون التربية الإندونيسية (Televisi Pendidikan Indonesia- TPI). ورغم أن برامج تعليم اللغة العربية على قنوات التلفزيون قد توقف ولا يستمر حتى الآن إلا أنها قد ساهم في رفع مستوى تعليم اللغة العربية أدناه في تعريف هذه اللغة على المجتمع الإندونيسي على نطاق واسع من خلال الوسائل الإعلامية وبناء الانطباع أن هذه اللغة لا تقل أهمية من اللغات الأجنبية الأخرى.

2.  تعليم اللغة العربية من خلال المجلة. والمجلة التي تؤدي هذه المهمة هي المجلة العربية الشهرية الصادرة في مدينة سمارانج  "آلو إندونيسيا – Hallo Indonesia" التي تفرد صفحة لتعليم اللغة العربية خاصة المفردات، والمجلة الشهرية العربية الصادرة في مدينة مالانج "نادي –Nadi " التي تفرد صفحات عددها لتعليم اللغة العربية. وقد وجدت هذه المجلة العربية قبولا حسنا من قبل المعنيين باللغة العربية وفي مقدمتهم طلاب المعاهد والجامعات لأنهم يستفيدون منها في تحسين مستواهم اللغوي.

3.  تعليم اللغة العربية من خلال شبكة العنكبوت على مواقع الإنترنت. ومن المواقع الإندونيسية على الإنترنت التي تقدم برامج تعليم اللغة العربية موقع: .http://pba.aldakwah.org .  

إن استخدام هذه الوسائل الإعلامية تشكل تطورا غير مسبوقا في مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا. وذلك يغير انطباع الجميع أن هذا المجال تقليدي معزول ومنحصر في بيئات وحلقات دينية محددة ومن خلال وسائل تعليمية تقليدية مما يرفع معنويات متعلمي اللغة العربية ومعلميها سيكولوجيا.

بعض المشكلات القائمة

رغم ما شهده من تلك التطورات الواعدة فإن مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا في الوقت نفسه مازال يتعرض لمشكلات عديدة. من هذه المشكلات هي المشكلات المشتركة التي تعرض لها مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في معظم الدول الأجنبية. وهي المشكلات الناتجة من الاستناد إلى المناهج التقليدية الاتجاه في التعليم والتي تتمثل على سبيل المثال لا الحصر في الافتقار إلى المقررات الشاملة وطرائق التدريس الحديثة فضلا عن عدم مساندة المعلمين المؤهلين معرفية ومهنية،[4] والاستناد إلى المقررات التي لا تتناسب مع مستوى المتعلمين واحتياجاتهم،[5] إلى جانب الاستناد إلى المحتوى التعليمي المفتقر إلى الأسس اللغوية التربوية والنفسية والثقافية سواء كان في اختياره أو تنظيمه.[6]   

إلى جانب تعرضه لتلك المشكلات المشتركة الشائعة تعرض مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا بشكل خاص لمشكلات خاصة عديدة يمكن ذكر أهمها فيما يلي:

أولا: الاتجاه التعليمي:-

تتمثل هذه المشكلة في تعليم اللغة العربية الذي يسعى بصورة بالغة إلى تحقيق الأهداف الدينية ويتقيد باتجاه النحو والترجمة. يتركز التعليم في ضوء هذا الاتجاه على عملية تمكين الطلاب من فهم القرآن والأحاديث وغير هما من النصوص العربية الدينية. وتحقيقا لهذا الهدف الدينية تهتم عملية التعليم بالإلمام بالقواعد العربية ومهارة الترجمة إذ إن لهما صلة وطيدة بفهم النصوص العربية وترجمتها.

تعليم اللغة العربية وتعلمها من أجل الأهداف الدينية ليس عيبا بكل التأكيد بل إنه يتماشى مع كون هذه اللغة لغة دينية التي ينطق بها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ويتماشى أيضا مع دافعية الإندونيسيين الرئيسية لتعليم اللغة العربية.[7] إلا أن التركيز البالغ على هذا الجانب الديني يجعل عملية تعليم اللغة العربية وتعلمها عملية أحادية الجانب التي لا تتماشى مع متطلبات مستجدة لتعليم هذه اللغة وتعلمها بوصفها لغة أجنبية، وذلك لأنها تعامل اللغة العربية بوصفها لغة الدين فقط وتهمل كونها لغة مجالات الحياة الأخرى.

 وتعليم اللغة العربية في ضوء مثل هذا الاتجاه يؤثر سلبيا على تنوع الخبرات اللغوية المراد تزويدها للطلاب لأنه يهتم بتزويدهم بالقواعد والترجمة على حساب المهارات اللغوية الأخرى مثل مهارة الاستماع والكلام والكتابة. وهذا أيضا لا يتناغم مع الاتجاهات الحديثة لتعليم اللغة العربية، لأن القواعد ليست هدفـًا على حد ذاتها وإنما هي وسيلة للوصول إلى المهارات اللغوية.


ثانيـا:  المواد الدراسية:-

من حيث المواد الدراسية يمكن تصنيف اتجاه تعليم اللغة العربية في إندونيسيا إلى اتجاهين هما:

1.  تعليم اللغة العربية من خلال الكتب اللغوية والدينية، وهذا مما يترتب على الاهتمام البالغ بالجانب الديني في تعليم اللغة العربية.

2.  تعليم اللغة العربية من خلال سلسلة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها الصادرة من الدول العربية، مثل: العربية للناشئين والعربية بين يديك.

          هذان الاتجاهان لم يقدما نتيجة مرضية تذكر لمجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا. فشل الاتجاه الأول لأنه يهتم بالجانب المعرفي فقط من اللغة العربية ويستهين بالآخر الاتصالي. وفضلا عن ذلك فإن هذا الاتجاه يفتقر إلى المبدأ اللغوي لإبعاده اللغة من وظيفتها الاتصالية كما يفتقر إلى المبدأ التعليمي لاستنادها في التعليم إلى الكتب الدينية واللغوية بدلا من كتب تعليم اللغة. وقد أشار أحمد شلبي بعد أن مسح مراكز تعليم اللغة العربية بإندونيسيا في السبعينات إلى هذه المشكلة مؤكدا أن من أهم ما يفتقر إليه تعليم اللغة العربية هو انعدام كتب التعليم الجيدة وأن التعليم يسير على نهج خاطئ إذ إنه يعتمد على الكتب النحوية وليس على الكتب التعليمية.[8]

          أما الاتجاه الثاني فيرجع المآخذ عليه لعدم مراعاته المحتوى اللغوي الثقافي في اختيار المواد الدراسية. إن سلسلة العربية للناشئين والعربية بين يديك لا يخص إعدادهما الإندونيسيين خاصة ولكن الناطقين بغير العربية عامة، فإذا استخدما لتعليم اللغة العربية في إندونيسيا فاستتبع ذلك مراعاة تناسبها مع المستوى اللغوي للإندونيسيين كما استتبع إدماج محتوى الثقافة الإندونيسية.

ثالـثا: طرائق التدريس:-

إن طريقة التدريس التي شاع استخدامها في تعليم اللغة العربية في إندونيسيا هي طريقة النحو والترجمة.[9] ذلك لأنها  تناسب ما تستتبعه أهداف التعليم ومواده  المركزة على القواعد والترجمة. إضافة إلى ذلك، إن هذه الطريقة تسمح إلى حد كبير استخدام اللغة الأم في عملية التعليم وهذا ملجأ آثره عدد غير قليل من المعلمين في إندونيسيا الذين لا يتمتعون بما يكفي من مهارة التحدث باللغة العربية.[10]

ومن قصور هذه الطريقة أنها تفتقر إلى أسس منهجية ولا إلى أسس لغوية تربوية وقد أكد العلماء أنها قد ثبت فشلها في تعليم اللغة العربية بنتيجة مرضية في معظم الدول الأجنبية الناطقة بغير العربية. ونتيجة التعليم على هذه الطريقة –على حد ما أثبتته الدراسات- تخرج الطلاب الملمين بقواعد اللغة العربية وفن الترجمة ولكن مفتقرين إلى مهارات الاتصال باللغة العربية.

هناك محاولات في بعض الجامعات في استخدام طرائق أخرى مثل الطريقة المباشرة والطريقة السمعية الشفوية نتيجة استخدام سلسلة العربية للناشئين والعربية بين يدك. ولكن هذه المحاولات اصطدمت بمستوى المعلمين المتدني في الاتصال الشفوي باللغة العربية.

رابعا: مشكلة الموارد البشرية:-

ومن المشاكل التي تتعلق بمعلمي اللغة العربية في إندونيسيا هي:

1. إن معظم المعلمين  ليسوا من المتخصصين في تعليم اللغة الأجنبية أو العربية على وجه التحديد وليس لديهم ما يكفي من المعلومات حول تعليم اللغة ومنهجها. إنما معظمهم الملمون بقواعد اللغة العربية وترجمة نصوصها أو خريجو جامعات الشرق الأوسط المتخصص في غير العربية.

2. إن معظمهم لم يتلقوا تدريبات إعداد المعلمين سواء كان قبل الخدمة أو أثنائها مما يمنعهم من تحسين أدائهم التعليمي.

3.     إن معظمهم لا يقدرون على الاتصال باللغة العربية مما يجعلهم مضطرين إلى استخدام اللغة الإندونيسية في عملية التعليم –الأمر الذي يقف وراء شيوع استخدام طريقة النحو والترجمة في مراكز تعليم اللغة العربية في إندونيسيا.[11]

هذه القصور في الموارد البشرية لا يأتي من فراغ وإنما تقف وراءها عدة عوامل يتلخص أهمها فيمل يلي:

1.     انعدام تخصص تعليم اللغة العربية خاصة على المستوى الماجستير والدكتوراه مدة طويلة قبل أن ظهر أخيرا في السنوات الأخيرة مما يمنع المعلمين من التأهيل لأن بعضهم لا يجدون مكانا لمواصلة تخصصهم وبعضهم مضطرون إلى التخصص في مجالات العلوم الأخرى التى لا علاقة لها مهنيا ومعرفيا بكونهم معلمي اللغة العربية.

2. ندرة الدورات التدريبية التي يمكن أن يستفيد منها المعلمون في تحسين أدائهم التعليمي.

3. اتجاه النحو والترجمة السائد في تعليم اللغة العربية. فبما أن هؤلاء المعلمين هم إنتاج هذا الاتجاه التقليدي فلا يدعو للاستغراب إذا كانوا متمكنين من حيث القواعد والترجمة وضعفاء في المهارات الاتصالية أو مهارة الكلام على وجه التحديد.

وهذا القصور يعد مشكلة شائكة يؤدي إلى مشكلة أخرى أساسية التي لا تقل خطورة وهي صعوبة التخلي عن الاتجاه التقليدي والتحول إلى الآخر الحديث، لأن المعلمين أنفسهم إنتاج هذا الاتجاه التقليدي من ناحية ولم يمروا بخبرات يمكن أن تحولهم من هذا الاتجاه من ناحية أخرى. فكيف يتخلون عما يتبنونه؟ أو في المرحلة التطبيقية: كيف يعلمون الطلاب مهارة الكلام وهم أنفسهم يفتقرون إليها؟


الخاتمة

يتضح مما سبق بيانه أن تعليم اللغة العربية يمر بمرحلة يمكن وصفها انتقالية حيث أنه بدأ يشهد بعض التطورات الملحوظة الواعدة من ناحية، ولا يزال في الوقت نفسه يتعرض لعدة مشاكل شائكة من ناحية أخرى.

ومن الملاحظة أن التطورات التي أنجزها مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسية تغطي جميع جوانب التعليم من منهج وإدارة وموارد بشرية مما يعني أنه قد توافرت لهذا المجال شروط التقدم والترقية. أما المشكلات القائمة التي لا تزال يتعرض لها هذا المجال فما هي إلا جزء لم تصل إليه هذه التطورات غير المكتملة، ستزول هذه المشكلات بمشيئة الله تزامنا مع اكتمال هذه التطورات، وهذا طبعا يتطلب جهودا مستمرة من المعنيين بهذا المجال.

 

 

______________

  • ·  أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية إندونيسيا.

[1]  نصر الدين إدريس جوهر، تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا في ضوء تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، رسالة الدكتوراه غير منشورة، جامعة النيلين، 2006، السودان، ص: 251.

[2]   أحمد فؤاد أفندي، منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بهالهدف خاص (تجربة مؤسسة تثقيف الأمة بمالانج، القرآن لغته وتفسيره، لجنة المؤتمر الدولي القرآن لغته وتفسيره وأولى النهى للطباعة والنشر، جاكرتا، 2006، ص: 329.

[3] راجع  المرجع السابق، ص: 329-332.

[4] رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها مناهجه ,وأساليبه ، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط، 1989م، ص: 5

[5]  محمد زايد بركة، "اللغة العربية لدى الناطقين بها والناطقين بغيرها"، المجلة العربية للدراسات اللغوية، العدد 17، فبراير 2000م، معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، ص: 13-15.

[6]  فتحي على يونس و محمد عبد الرءوف الشيخ، المرجع في تعليم اللغة العربية للأجانب (من النظرية إلى التطبيق)، مكتبة وهبة، القاهرة، 2003م، ص: 86.

[7]  شهداء صالح، مناهج تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية بإندونيسيا ( دراسة تحليلية تقويمية ) رسالة الدكتوراه غير منشورة، جامعة النيلين، 2006، السودان، ص: 30.

[8]  أحمد شلبي، تعليم اللغة العربية لغير العرب، مكتب النهضة المصرية، القاهرة، 1980، ص: 18.

[9]  نصر الدين إدريس جوهر، الأفعال المتعدية بحروف الجر وتدريسها للإندونيسيين، بحث تكميلي غير منشور، معهد خرطوم الدولي للغة العربية، السودان، 2003، ص: 61.

[10]  نصر الدين إدريس جوهر، تعليم اللغة العربية على المستوى الجامعي في إندونيسيا في ضوء تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، رسالة الدكتوراه غير منشورة، جامعة النيلين، 2006، السودان، ص: 26.

[11]  المرجع السابق، ص: 27.

Share

التعليقات   

 
0 # محمد فارح رضوان 2016-08-25 02:13
ظهور المعاهد الإسلامية الحديثة والتقليدية فهي من مظاهر اللغة العربية في إندونسياوكذلك الأسماء لأبناء الإندونيسين باللغة العربية هي من مظاهرها
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 
 
0 # حيرش بغداد محمد 2013-11-30 14:46
نصر الدين إدريس جوهر،

تحياتي وترحيبي الواسع بكم في الجزائر من أجل اكتشاف اللغة العربية وتعلمها.

نشرف على وحدة بحث علمية حول الثقافة، اللغات، الآداب، الاتصال والفنون.
يمكن أن نؤمن لك الدعوة لزيارة الجزائر.
نريد أن تحدثنا أكثر على اللغة العربية في أندونسيامن حيث الصعوبات، التلقي، الوعود وآفاق البحث.
مجال التواصل مفتوح بيننا.
تحياتي الخالصة.
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 
 
0 # نصرالدين 2013-12-01 08:29
أخي العزيز حيرش بغداد محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

دعوتكم شرف لي.... من الأفضل أن نتراسل من خلال البريد الإالكتروني....
عنواني:
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung