مقالات

 

 

 

اتجاهات جديدة في مجال تعليم اللغة العربية في إندونيسيا

 

د. نصر الدين إدريس جوهر·

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية - إندونيسيا)

 

تمهيد

تحتل اللغة العربية فضل كونها لغة دينية ينطق بها القرآن الكريم مكانا نبيلا في المجتمع الإندونيسي. فعاشت فضل هذه المكانة النبيلة حياة تضمن وجودها منذ الأيام الأولى من دخولها في هذا البلاد المتزامن مع دخول الإسلام.

إلا أن حياتها المضمونة ومكانتها النبيلة كلغة دينية لم تعط شيئا يذكر لمسيرتها كلغة أجنبية. فلا يذهب بعيدا من قال إن كونها لغة دينية قد ذهب بكونها لغة أجنبية، لما يدلي به الواقع أن تعليم هذه اللغة بوصفها لغة أجنبية لا يربو على تعليمها كلغة دينية. فلا يسعى ما وضع لتعليمها من منهج ومادة وطريقة ووسيلة إلا لإكسابها لأجل الأهداف الدينية البحتة، وهي فهم القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وغيرهما من النصوص الدينية. فأصبحت هذه اللغة نتيجة ذلك منحصرة على المهمات الدينية والبيئات التربوية الإسلامية ومعزولة عن مجالات الاتصال الاجتماعي.       

وظلت اللغة العربية على هذه المسيرة إلى أن استند تعليمها في السنوات الأخيرة إلى ما يمكن الإطلاق عليه اتجاهات جديدة. ولعل أهم ما أدى إليه هذه الاتجاهات تغير اتجاه تعليم اللغة العربية من تعليمها كلغة دينية كما كان في الاتجاه القديم إلى تعليمها كلغة أجنبية. وهذا التغير يمكن وصفه شبه ثوري إذ إنه يجعل تعليم اللغة العربية  كلغة أجنبية في الأساس وأما تعليمها كلغة دينية ليس إلا جزءا من هذا الأساس أو فرع منه.

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على تعليم اللغة العربية في ضوء الاتجاهين القديم والجديد مبينا في ذلك ملامح تعليمها في ضوء كل من هذين الاتجاهين فضلا عما يأتي به الأخير لرفع مستوى تعليم اللغة العربية سواء كان من ناحية منهج التعليم أو سياسة التعليم.

 

اللغة العربية في المجتمع الإندونيسي: لمحة تاريخية

إنه مما لا يختلف فيه اثنان أن دخول اللغة العربية وانتشارها في إندونيسيا –شأن دخولها وانتشارها في دول أجنبية أخرى- كان يتزامن ويتماشى مع دخول الإسلام وانتشاره في هذا البلاد. ذلك لما يقوم بينهما من علاقة وطيدة كما لو كانا وجهان لعملة واحدة يحرم الفصل بينهما. فاللغة العربية هي التي ينطق بها المصدر الأساسي للدين الإسلامي: القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، مما يعني أنه لا يتدين الإندونيسيون بهذا الدين الحنيف إلا وهم يتعاملون مع لغته العربية.

ووصلت اللغة العربية أول ما وصلت في سواحل إندونيسيا في القرن الأول الهجري أو القرن السابع الميلادي، وذلك على أساس ما اتفق عليه أغلبية المؤرخين أن الإسلام دخل أول ما دخل في إندونيسيا في هذا القرن على أيدي العرب الذين جاءوا مباشرة من مكة المكرمة.[i]

كما شهد الإسلام من انتشار واسع وما وجد من قبول حسن فانتشرت اللغة العربية بدورها انتشارًا واسعًا ووجدت قبولا حسنا من قبل المجتمع الإندونيسي. وفي ضوء هذا التآزر هناك خمسة عوامل أساسية يعود إليها انتشار اللغة العربية في إندونيسيا، وهي:[ii]

1.   تشجيع الإسلام المسلمين على طلب العلم، ومعظم العلوم الإسلامية مكتوبة باللغة العربية.

2.   وصول التجار العرب إلى بلاد إندونيسيا منذ ظهور الإسلام ومصاهرتهم لأهلها.

3. تأسيس الحلقات الدين