مقالات

البدعـة اللغـوية

نصرالدين إدريس جوهر

(جامعة سونن أمبيل الإسلامية الحكومية – إندونيسيا)

 

البدعة اللغوية؟ نعم، البدعة اللغوية. إنها طبعا تدعو للاستغراب إذ أن التي ترددت بيننا والتي عرفها الجميع هي البدعة في مفهومها الشرعي وهي كل ما جاء به الناس في حياتهم الدينية وهو لم يمارسه الرسول ومن بعده من الخلفاء الراشدين وبعدهم من الأئمة الصالحة.

وعلى هذا المفهوم ثمة ما يمكن الإطلاق عليه اسم "بدعة لغوية". والبدعة الغوية -إن جاز التعبير- هي استخدام اللغة العربية بطريقة لم ينطق بها الرسول -وهو أفصح من ينطق بلغة الضاد- ولم ينطق بها أبناء هذه اللغة.

ولعل خير مثال لهذا النوع من البدعة استخدام الإندونيسيين ضمير "أنتم" للمخاطب المفرد بدلا من "أنت". يستخدمون ذلك في أغلب الأحيان عند مخاطبة الشخص الأكبر سنا أو الأفقه علما أو الأشرف نسبا تعظيما وإكراما لهم. كقولهم "يا أستاذ، أين أنتم الآن. هل أنتم بخير؟"

هذا في رأيي بدعة لغوية بدون أدنى شك إذا أنه (استخدام ضمير "أنتم" للمخاطب المفرد) يخص الإندونيسيين ولم أسمع العرب يستخدمونها في كلامهم. إضافة إلى ذلك إنه غريب يفتقر إلى المنطق اللغوي. إذا كان تعظيما فلماذا لم ينطق به الرسول وأصحابه ومن عاصرهم من أفصح أجيال لغة الضاد؟ لقد وصلت إلينا أحاديث (على حد معرفتي وهذا يحتمل الخطأ) جرى فيها حوار بين رسول الله ومن جالسه من أصحابه حيث رددوا "أنت" بدلا من "أنتم" لمخاطبة الرسول. أكانوا لا يعظمون الرسول؟ لا، بكل التأكيد. إنهم خير من يعرف معنى التعظيم لأجب الناس إلى الله.

فمن أين إذن جاء هذا التعظيم الذي لا أساس له في القواعد العربية؟ إنه وليد الثقافة اللغوية المحلية وهي الثقافة اللغوية الجاوية على وجه التحديد. فمن المعروف أن اللغة الجاوية تتميز بطبقات اللغة وهي كلمات لها معنى مشترك ولكن تختلف في طبقات استخدامها. فالكلمات المستخدمة للمخاطب الأعلى درجة اجتماعية غير التي تستخدم للمخاطب الأدنى اجتماعيا. فالضمير "أنت" على سبيل المثال لا الحصر تقابله في اللغة الجاوية ضمائر كثيرة بينها طبقات مختلفة من حيث الاستخدام وهي: Kon, Koe, Awakmu, Sampeyan, Panjenengan. . الضمائر (Kon, Koe, Awakmu) لا تحمل معنى التعظيم بينما يحمل الضميران (sampeyan, panjenengan) معنى التعظيم. فإذا خاطب الرجل زميله مثلا يستخدم أحد تلك الضمائر الثلاثة وأما إذا خاطب أباه أو أستاذه فيستخدم أحد هذين الضميرين. إنه عيب ثقافي له أن يخاطب أباه أو أستاذه بكلمة Kon. ولعل هذا ما تأثر به الإندونيسيون عند استخدامهم اللغة العربية. فمخاطبة الأستاذ أو الوالدين بضمير "أنت" باللغة العربية مثل مخاطبتهم بضمير kon باللغة الجاوية.... فبدلوه بضمير "أنتم" تعظيما لهم. والله أعلم....

Share

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

 

حكمة / Hikmah

زوار / Pengunjung