دروس

استفتوا  قلوبكم ...

نصر الدين  إدريس جوهر

 

أوصى مدير جامعة سونن أنبيل الإسلامية الحكومية البروفسير عبد الأعلى رؤساء الشعبات الدراسية الجدد ونوابهم بوصية تخاطب القلب وتثير النفس حيث قال سيادته "استفتوا قلوبكم". وجاء ذلك بين كلماته التي ألقاها أمامهم أثناء مراسم تعيينهم يوم الاثنين 29 ديسنبر 2014 الماضي في قاعة الجامعة.

وقال سيد المدير أنه قد خطط إلقاء هذه الكلمات الوجيزة المبنى والعميقة المعنى قبل يوم إلقائها بأسبوعين، مما يعني أنها تهمه وما جائت من باب المصادفة. كما يعني أن سيد المدير كان يريد التركيز ببها وعليها ولا يريد أن تزاحمها كلمات ورسائل أخرى تنقص من أهميتها.

الكلمات دوما لا تأتي من فراغ. إنها وليد السياق الحيوي تعكس الوضع والموقف. فما الذي يا ترى تختفي وراء هذه الكلمات؟ الإجابة الحتمية طبعا لا يعلمها إلا سيد المدير. ولكن سيادته لا يعيش الأوضاع والمواقف منفردا وإنما يتقاسمها معنا – الأمر الذي يمكننا من تفسيرها وتأويلها.   

إن هذه الكلمات تعني أول ما تعني الدعوة إلى استفتاء القلب في تحمل المسئولية وأداء الواجبات. إنها دعوة إلى استرجاع الأمور إلى الحاكم الحكيم على المستوى الفردي وهو القلب. إنها دعوة إلى الوعي بأن لكل شخص مستشارا حكيما يحواره ويوجهه في كل أموره وذلك قلبه. إنها فضلا عن ذلك كله دعوة إلى وضع الأمور في الميزان الخلقي الديني إلى جانب الإداري الشكلي.

وفي إطار ما تحمل من معنى تأتي هذه الكلمات في سياق يخاطب فيه المدير رؤساء الشعبات الدراسية ونوابهم ليؤكد لهم أن إدارته لا يمكن أن ترتب جميع ما يتعرضون له من أمور ومشاكل عند أدائهم الواجبات الإدارية وتحملهم المسئوليات التوظيفية. إنها تعني ضمنيا اعترافا صادقا بأن الإدارة عاجزة عن تولى جميع الأور على أصغر فرعياتها. ولكن مع ذلك تأتي هذه الكلمات بما يسد هذا العجز والضعف ألا وهو معيار قلبي عاطفي. المعيار القلبي العاطفي هو الذي يسد كل فراغ تتركه الإدارة ويحضر في كل ما تغيب عنها. القلب هو الذي يرشدهم في الأمور التي تعجز الإدارة عن الوصول إليها. القلب هو الذي يحكم بهم في ما لا تحكمه الإدارة. القلب هو الذي سيقول لهم "هذا صحيح" و "هذا خطأ" على ما تسكت عليه الإدارة.

الإدارة لها يدان: اللوحة واللوحة. اللوحة الأولى تحضر لتقول "هذا خطأ" والثانية تأتي لتحكم "هذ صحيح". ولكنهما مغلولتان في بعض الأمور وتتردد في بعضها. كم من أمر نمر به في أعمالنا لم تنص اللوحة عن حكمه لكونه حديثا أو تافحا أو غير ذلك. ولا شيء أحق أن نلجأ إليه في ذلك من قلوبنا. فالنضرب أتفح مثال في آلة تفتيش الخضور. جاء أحدنا إلى الجامعة صباحا على الموعد ووضع أصبعته على آلة التفتيش ليتم تسجيل حضوره. ثم خرج من الجامعة لمهمة أخرى في مكان آخر ويعود إليها في المساء ليضع أصبعته على آلة التفتيش مرة أخرى ليتم تسجيل انتهائه أو  رجوعه من العمل. اللوحة من خلال السجل الشهري تثبت حضوره للعمل والتزامه بساعات العمل بدون أدنى شك. ولكنها لم تحدد ما يفعل بين حضوره ورجوعه هل صحيح أم خطأ. وليس لنا ما يحكم في ذلك إلا أن نستفتي قلوبنا ويسأل كل منا قلبه "هل صح ما فعلت؟". وإذا أجابه قلبه سلبيا، يواصل السؤال "فهل ارتكبه فقط لأنه لا ينص فيه اللوحة؟".

والإدارة أيضا لها لسان يقول "هذا صحيح" في أمور و "هذا خطأ" في أخرى. ولكنه يسكت أو لا يقول "أصبت" عندما يفعل أحد خيرا. كما أنه يسكت ولا يصرح "أخطأت" عندما ارتكب أحد خطأ. هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن للخير بابا يفتح ويدخل منه من شاء الخير، وللشر أيضا باب يفتح ويدخل منه من أراد الشر. والدافعية للشر ليست أقل قوة منها للخير. والأمر في ذلك يعود إلينا لنحدد أي السبيلين نميل إليه.  ويمثل القلب في ذلك مراقبا لا ينام، يحضر عندما تغيب اللوحة، وتجيب عندما تسكت، وتحكم عندما تتردد.  

ومراقبة القلب ضرورية للغاية ليس فقط في ميدان العمل الإدري وإنما في مجالات الحياة كلها. لأن الحياة قد تضع بين أيدينا مشكلة تسبق معرفتنا لنعجز عن الحكم بها واتخاذ موقف سليم منها. وقد تأتينا بأمور لم تكن لدينا فيها خبرات سابقة ما يمكن الاستناد إليها في المعاملة بها. ولقد وضع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم معيارا وضحا للتغلب على مثل هذه الموقف وهو استفتاء القلب. فقد روي أحد أصحاب الرسول واصبة الأسدي استشاره عن البر والإثم فقال له: "يا واصبة، استفت قلبك، واستفت نفسك. البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك".

هذه الرواية تحمل رسائل عديدة ولعل أهمها أن الرسول يهتم بأن نعتمد على أنفسنا في اتخاذ موقف سليم من مشكلات حياتنا. فوضع لنا معيارا واضحا للتمييز بين الخير والشر إذ إن الخير والشر يتطوران ويتغيران شكلا ونوعا فلا يمكن أن ينص عليهما الدين نصوصا خاصة بهما بشتى ألوانها وأنواعها. والمعيار في ذلك بسيط ولكنه شامل في آن واحد. إنه بسيط لكونه يحول بين المرئ وقلبه مما يمكنه من القيام به أينما شاء ومتى شاء.  ويكون شاملا لكونه يغطي جميع ما يمر به المرئ في حياته من أمور ومشاكل. القلب دوما يطمئن إلى الخير  وحاك فيه الشر.

إنه من هذا السياق تأتي رسالة ما أوصى به سيد المدير. إنه من جانب يمثل محاولة تحويل المسئوليات من مجرد  ما هي إدارية شكلية إلى أخرى فردية خلقية. ويمثل من جانب آخر دعوة إلينا جميعا أن نتحمل المسئولية على أكتافنا تحملا إداريا ودينيا على حد سواء.  وهذا، إن تحقق، يجعل كلنا مديرا لنفسه ومسئولا عن عمله.   

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Penghargaan / جائزة

المدونة / Tulisan Blog

كتاب جديد / Buku Baru

حكمة / Hikmah

آخر تعليقات / Latest Comments

زوار / Pengunjung